كانت الأمثال الشعبيَّة قديمًا أشبه بدساتير شفويَّة تُدار بها الحياة.
عبارات قصيرة، حادَّة، وسهلة الحفظ، استطاعت عبر القرون أنْ تتسلَّل إلى العقول بهدوءٍ مُدهش، حتى أصبحت لدى كثيرٍ من المجتمعات أعلى سلطة من المنطق نفسه.
فالمثلُ الشعبيُّ لم يكن مجرَّد حكمةٍ عابرةٍ، بل خلاصة حِراك جماعيٍّ، وتجربة مجتمع، وصوت زمنٍ كاملٍ يتحدَّث من فم شخص مجهول، رحل منذ مئات السنين. وهي موروث يجب احترامه وتقديره.
غير أنَّ المفارقة ليست في الأمثال ذاتها، بل في إصرارها على البقاء صالحةً لكل العصور، وكأنَّ الإنسان لم يتغيَّر، ولم تتغيَّر معه الحياة.
فمعظم تلك الأمثال وُلد في أزمنة فقيرة، مرتبكة، محدودة المعرفة، لذلك جاءت محمَّلةً بروح النَّجاة أكثر من روح الطُّموح.
أمثالٌ تمجِّد الصَّمت، وتكافئ الانحناء، وتدعو إلى تجنُّب المخاطرة، حتى بدا الإنسانُ المثاليُّ فيها أقربَ إلى كائنٍ ينجُو من الحياة، لا كائن يصنعها.
خُذ مثلًا العبارة الشَّهيرة: «امشِ جنب الحيط».
هذا المثل وحده يلخِّص فلسفة قرونٍ كاملةٍ من الخوف الاجتماعيِّ.
ولو أنَّ العلماءَ والمخترعِينَ وروَّادَ الأعمال التزمُوا به حرفيًّا في زمننا الحاضر؛ لما خرج الإنسانُ من الكهف، ولما عرف العالمُ الكهرباءَ، أو الطيرانَ، أو الإنترنت.
لكنَّ المدهش أنَّ بعض العقول ما زالت تتعامل مع هذه الأمثال، كما لو أنَّها تحديثٌ أخير نزل صباح اليوم، لا مجرَّد اجتهادات بشريَّة خرجت من بيئات مختلفة تمامًا عن عالمنا الحاليِّ.
لقد دخل العالمُ عصرَ الذكاءِ الاصطناعيِّ والخوارزميَّات والاقتصاد الرقميِّ، بينما لا يزال بعضُ النَّاس يحاولُون إدارة هذا التعقيد الهائل بحكمةِ رجلٍ كان أكبر طموحه أنْ ينجوَ بجملهِ من العاصفة.
والمفارقة السَّاخرة أنَّ البشريَّة نجحت في تعليم الآلة كيف تفكِّر، لكنَّها لم تنجح بعد في إقناع بعضِ البشر أنَّ الأمثال ليست نصوصًا مقدَّسةً.
لسنا بحاجةٍ إلى إعلان الحرب على الموروث، فالأُممُ التي تفقدُ ذاكرتها تفقدُ جزءًا من رُوحها، لكنَّنا بحاجة إلى إعادة قراءة هذا الإرثِ بعقلٍ نقديٍّ معاصرٍ لا بعينٍ خاضعةٍ.
فالحكمةُ الحقيقيَّةُ لا تكمنُ في حفظ الأقوال القديمة، بل في امتلاك الجرأة الكافية لمراجعتها، وتجاوزها أحيانًا، عندما يصبحُ الزَّمنُ أكثرَ ذكاءً منها.
لقد آن الأوان أنْ ننتج أمثالًا جديدةً تناسب عصرنا ومتغيِّراته؛ أمثالًا تُؤمن بالمبادرة لا بالخوف، وبالتَّجربة لا بالتَّلقِين، وبالعقل لا بالاستسلام البلاغيِّ الأنيق للهزيمة.


