كانت «الصحافة المتلوِّنة» فيما مضى تقتاتُ على مدادِ الحقد، وتبيعُ ورقها في أسواقِ الأيديولوجيَّاتِ المستأجرة، وتمارسُ طقوسَ التَّغييبِ والإنكارِ لكلِّ منجزٍ وطنيٍّ شامخ للمملكة. واليوم، ونحنُ نعيشُ حقبةَ الفضاءاتِ المفتوحة، توهمنا بأنَّ «الديمقراطيَّة الرقميَّة» ستحرِّرُ الحقيقةَ من أغلالِ ملَّاكِ ومسؤولي بعض المنصَّات الرقميَّة العالميَّة المأجورين. غيرَ أنَّ الواقعَ كشفَ عن وجهٍ أكثرَ بشاعة، فقد استُبدل بـ»قلمُ الرقيب»، «خوارزميَّة الإقصاء»، وتحوَّل الفضاءُ السبرانيُّ من ساحةٍ حرَّة إلى خنادقَ برمجيَّةٍ تُدارُ بعقليَّةِ «التَّصفيةِ المعنويَّة».
وأصبح ما يمارسه القائمُونَ على بعض المنصَّات العالميَّة ليس إلَّا «أدلجةً رقميَّةً» فجَّةً، حيثُ تُبرمجُ الخوارزميَّةُ؛ لتكونَ عينًا كليلةً عن المنجزاتِ السعوديَّةِ العُظمَى، ودورها الفاعل في المشهد العالميِّ، تحوَّلت إلى أذنٍ صمَّاءََ عن صوتِ الحقِِّ الذي يسعى لتحقيق السَّلام لكلِّ شعوب العالم. إنَّهم يحاولُونَ «هندسةَ الوعيِ العالميِّ» عبرَ خنقِ المحتوَى الذي ينصفُ المواقفَ المشرِّفة، وكأنَّ النجاحََ السعوديَّ باتَ يؤرِّقُ مضاجعَ داعمِي تلك الأطياف التي أدمنتِ التَّشويه.
ولعلَّ ما يحدث يكشف في جوهره عن تحوُّلات أعمق في طبيعة الصراع العالميِّ؛ حيث أصبحت «إدارة الإدراك» واحدةً من أخطر أدوات النُّفوذ الحديث، وأصبحت الخوارزميَّاتُ جزءًا من معارك الهيمنةِ النَّاعمة التي تُدار بصمتٍ خلف الشَّاشات.
ومع كلِّ هذا الضجيج الرقميِّ، وكلِّ محاولات التَّعتيم، والتَّشويه، وإعادة تشكيل الوعي عبر أدوات النُّفوذ الجديدة، تبدُو المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ أكثرَ هدوءًا وثقةً وهي تمضي في طريقها نحو المستقبل.
فالدولُ الواثقة من مشروعِها الحضاريِّ لا تدخل في معارك الصَّخب اليوميَّة؛ لأنَّها تدركُ أنَّ الإنجاز الحقيقيَّ أبلغُ من آلاف الحملات، وأنَّ الوقائع الصلبة لا تهزمُها الخوارزميَّاتُ مهما حاولت تأخير ظهورِها، أو تشويه صورتِها.
ولهذا تمضي المملكةُ اليوم، بعقل الدَّولة الكُبرى؛ تبني اقتصادًا جديدًا، وتؤسِّس لتحوُّلات تاريخيَّة، وتعيد رسم موقعها العالمي بثباتٍ يلفت أنظار العالم. ولن تستهلك طاقتها في مطاردة الأصوات النَّاعقة، ولا تتوقَّف طويلًا عند حملات العابرين في فضاءٍ رقميٍّ مزدحم بالشواذِّ والحاقدِين؛ لأنَّها تعرفُ أنَّ الأمم العظيمة لا تُقَاس بما يُقال عنها، بل بما تنجزُه على الأرضِ.
وفي النهاية، ستظل الحقيقةُ الأكثرُ رسوخًا، أنْ الضجيجَ مهما ارتفع، يبقى مؤقَّتًا...
أمَّا الإنجازُ الحقيقيُّ فله صوتٌ آخرُ، صوتٌ لا تصنعُه المنصَّاتُ، ولا تتحكَّم به الخوارزميَّاتُ، بل تصنعُه الوقائعُ حين تتحدَّث وحدها.


