في الوقت الذي تُشرَعُ فيه النوافذُ المعرفيَّة على مصاريعها بفعل الثَّورة الرقميَّة، وتتحوَّل فيه المعلومةُ من صيدٍٍ عزيزٍ إلى فيضٍ مُتاحٍ، نجد أنفسنا أمام مفارقة مُقلقة تسكن بيوتنا ومؤسَّساتنا التعليميَّة، ظاهرة «انخفاض الدافعيَّة» لدى جيل اليوم. لم يعد العزوفُ عن شغف التعلُّم حكرًا على طفلٍ يجرُّ خُطَاه متثاقلًا نحو مدرسته الابتدائيَّة، بل امتدَّت هذه العَدوَى الباردة، وبشكل أكثر سوداويَّة، إلى أروقة الجامعات، حيث يُفترَض أنْ ينضجََ الحلمُ ويشتعلَ الطموحُ. إنَّنا أمام «خريف مبكر للشَّغف»، تذبل فيه الرَّغبة في التَّحصيل، ويتحوَّل السَّعي المعرفيُّ من رحلة استكشاف ممتعة إلى مجرَّد طقسٍٍ ثقيلٍ يؤدِّيه الطالبُ لتأدية الواجب، أو اتقاءً لملامة المجتمع.
وإذا أردنا تفكيك هذه المعضلة بالعين الفاحصة، فلا يمكننا إلقاء اللَّائمة على الطَّالب وحده، فالدافعيَّة ليست نبعًا ذاتيًّا ينفجرُ من صخرة العدم، بل هي نبتة تحتاج إلى تربةٍ وبيئةٍ وسُقيَا.
أوَّل التصدُّعات تبدأ من عمق الرَّابطة الأسريَّة، حيث نلاحظُ غياب «الموجِّه الأوَّل». في خضم إيقاع الحياة المعاصرة اللَّاهث، وانشغال الوالدَينِ بالرَّكض في ميادِين تأمين العيش، أو الغرق في تفاصيل الحياة اليوميَّة، فُقدت تلك الجلسات الحواريَّة الدَّافئة التي كانت تبثُّ في روحِ الأبناء قيمة العلم كرسالةٍ وجوديَّةٍ لا مجرَّد بطاقة عبور وظيفيَّة. هذا الفراغُ العاطفيُّ والتوجيهيُّ ترك الأبناء في عراءٍ فكريٍّ، يبحثُون عن بدائل تملأ فراغ أرواحِهم.
وهنا، فتح العالمُ الرقميُّ ذراعيه الشَّاسعتَين؛ ليقدِّم البديل الأكثر جاذبيَّةً، والأشد فتكً «إدمان الألعاب الإلكترونيَّة». فقد تحوَّلت هذه الألعاب من وسيلةِ ترفيهٍ عابرةٍ إلى ثقوبٍ سوداءَ تبتلع الوقت والجهد، بل والأخطر من ذلك، تبتلع «نظام المكافأة» في الدِّماغ. فالطالب يجد في انتصاراته الافتراضيَّة السَّريعة متعة فوريَّة وتدفقًا هائلًا للدوبامين؛ ممَّا يجعل الجهد المطلوب لقرءاة كتاب، أو حل مسألة رياضيَّة يبدو باهتًا ومملًّا وعلَّةً لا تُطاق. لقد غرق الجيلُ في واقع افتراضيٍّ ملوَّن، فزهد في واقعه التعليميِّ الرماديِّ.
هذا الزهد يعود جزئيًّا إلى أنَّ المؤسَّسات التعليميَّة نفسها لم تطوِّر أدواتها؛ لتواكب هذا الجيل الرقميَّ. فما زالت الكثير من مدارسنا وجامعاتنا تديرُ ظهرها لـ»صناعة الدافعيَّة»، وتتعامل مع التَّعليم كعمليَّة شحن وتفريغ للمعلومات. إنَّ عدم اهتمام هذه المؤسَّسات بابتكار أساليب تعزِّز الشَّغف الداخليَّ، والاعتماد على التَّلقين الجاف، حوّل البيئة المدرسيَّة والجامعيَّة إلى بيئات طاردةٍ لا جاذبة؛ فصول باردة، وبنى تحتيَّة تفتقرُ للحيويَّة، وغياب للأنشطة التي تنبض بالحياة، وتجعل من الحرم التعليميِّ مكانًا يبتسمُ فيه الطالبُ قبل أنْ يتعلَّم.
وتكتملُ هذه الدائرة المُغلقة حين يصل الطالبُ إلى عتبة الجامعة؛ ليصطدم بجدارِ «القبول الأكاديميِّ الصَّارم» الذي غالبًا ما يتجاهل رغباتِهِ الحقيقيَّة وهواياتهِ الأصيلةِ. يُساق الطالبُ بحكم الأرقام والمعدَّلات الجافَّة إلى تخصُّصات لا تشبه روحَه، فيجد نفسه غريبًا في مدرَّجات لا ينتمي إليها، يدرسُ علومًا لا يحبُّها؛ ليتحوَّل التَّعليم الجامعي هنا من منصَّة لتحقيق الذَّات، إلى زنزانةٍ اختياريَّةٍ يقضي فيها سنواتِهِ مُرغمًا، فكيف للدافعيَّة أنْ تُولد من رَحم الإكراهِ؟
أمَّا رصاصةُ الرَّحمة التي تُطلق على ما تبقَّى من رمق الشَّغف، فهي تلك الهواجس المُظلمة التي تنتظرُ الطالب خلف بوابة التخرُّج. إنَّ «صعوبات التَّوظيف» تجعل الطالب يتساءل بمرارةٍ وجوديَّةٍ: «لماذا السهرُ والتعبُ والاجتهادُ، إذا كانت نهاية الطَّريق رصيفًا انتظاريًّا طويلًا».
إنَّ انخفاض الدافعيَّة في التَّعليم ليس مجرَّد كسلٍ عابرٍ، بل هو صرخة صامتة لجيل يشعرُ بالاغتراب. إنَّها أزمةٌ مركَّبةٌ يشتركُ فيها البيت والمدرسة والجامعة وسوق العمل. وإذا أردنا أنْ نعيد لشبابنا بريق عيونهم، وهم يُقبلُون على العلم، فإنَّنا بحاجة إلى وقفةٍ صارمةٍ تعيد صياغة بيئاتنا التعليميَّة لتكون أكثر إنسانيَّة وجاذبيَّة، وتصالح بين رغبات الطالب وتخصُّصه، وتفتح له نوافذ أمل حقيقيَّة نحو المستقبل. فالعلمُ بلَا شغفٍ هُو جسدٌ بلَا رُوحٍ.
إنَّ معالجة هذه الظاهرة تحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين الطالب والتَّعليم. فالدافعيَّة تنمو داخل أسرة حاضرةٍ، ومؤسسةٍ ملهمةٍ، وبيئةٍ جاذبةٍ، وتخصُّص منسجم مع الميول، وسوق عمل يمنح الأمل. وعندما تجتمعُ هذه العناصر يصبح التَّعليم رحلة اكتشاف وصناعة للمستقبل، لا مجرَّد سنوات تقضى في انتظار شهادة قد لا تكفي وحدها لصنعِ الحياةِ.


