على مدى ربع قرن، استوطن قلقُ «اختبار القدرات» الوجدان الجمعي للأُسر السعوديَّة؛ ليتحوََّل من مجرَّد أداة قياس، إلى «بُعبعٍ» سنويٍّ يحدِّد مصائر الأجيال. واليوم، ونحنُ على أعتاب مرحلة تعليميَّة تتَّسم بالمرونة والتنافسيَّة العالميَّة، من الواجب الأخلاقيِّ والعلميِّ أنْ نُخضع هذه التجربة لمبضع النَّقد الأكاديميِّ، متسائلِينَ: هل حقَّق الاختبارُ غايته التنبؤيَّة؟ أم أصبح قيدًا بيروقراطيًّا يستهلكُ الطَّاقات والميزانيَّات؟
من الممكن أنْ ينجحَ الاختبارُ في تصفية الأعداد الهائلة للمتقدِّمين، لكنَّه -غالبًا- ما يُخفق في التنبؤ بـ»المثابرة الأكاديميَّة»، أو «الذكاء العاطفيِِّ»، والمهارات النَّاعمة التي يتطلَّبها سوق العمل الحديث. إنَّ الاعتماد الكلي على اختبار مدَّته ساعات لتقييم حصيلة سنوات، يغفل جوانبََ الإبداع والابتكار التي لا تقيسها أسئلةُ الاختيار من متعدِّد.
ولا يمكن الإنكار بأنَّ تقنيات الاختبار لدينا متقدِّمة جدًّا ومقنَّنة ومع ذلك، فإنَّ «إحكام» التقنية لا يعني بالضَّرورة «عدالة» المخرج، فالفجوة التعليميَّة بين المناطق، وتفاوت القدرة الماديَّة على الالتحاق بدورات التدريب الخاصَّة بهذه الاختبارات، يخلق نوعًا من عدم التكافؤ الاجتماعيِّ؛ ممَّا يجعل الاختبار -أحيانًا- مقياسًا لـ»التمكن من تقنيات الحل»، وليس «القدرة الذهنيَّة الفطريَّة».
عندما تفتح الجامعات المرموقة أبوابها للطلاب السعوديِّين، فهي تنظر إلى «القدرات» كمعطى محليٍّ تكميليٍّ وليس أساسًا؛ لأنَّ هذه الجامعات تتبنَّى نظام «التقييم الشمولي، والاختبارات الموحَّدة بالنسبة لهم، هي مجرَّد «عتبة» أوليَّة، بينما في نظامنا المحليِّ، تحوَّلت العتبة إلى جدارٍ عازلٍ، خاصَّةً وأنَّ جامعاتنا تضيف سنة تحضيريَّة رغم وجود نتائج «قياس»، وهذا اعتراف ضمنيٌّ بوجود فجوةٍ بين مخرجات التعليم العام، ومتطلَّبات التعليم الجامعيِّ. فالسنة التحضيريَّة ليست ترفًا، بل هي «جراحة ترميميَّة» لمهارات اللُّغة، والعلوم الأساسيَّة التي لم يستطع اختبار القدرات ضمان وجودها. هذا الازدواج يطرحُ سؤالًا: لماذا نهدرُ الوقتَ والجهدَ في اختبارات فرز، إذا كنَّا سنعيد تأهيل الجميع في سنة إضافيَّة؟
إنَّ البديل ليس في إلغاء التَّقييم، بل في «أنسنته» وتعدُّديته.
فبعد عقدين من الزَّمن، تجاوزنا مرحلة «إثبات الوجود» لاختبارات القياس، وعلينا الانتقال إلى مرحلة «الجودة النوعيَّة»؛ لأن الاستمرار في الركون إلى درجة رقميَّة واحدة كمعيارٍ وحيدٍ للقبول هو هدرٌ للمواهب البشريَّة.
لقد آن الأوان لتمكين الجامعات من أدوات قبول أكثر ذكاءً ومرونةً، تليق بمستهدَفات رُؤية طموحة تضع الإنسان وقدراته الحقيقيَّة في المركز اللَّائق به.


