لا أشك أن هذا السؤال قد دار بخلدك يومًا، خصوصاً إن اصطدمت بآثار عمل مدير سيئ؛ إما من خلال خدمة متعثرة، أو قرارات مرتبكة، أو إجراءات معقدة تجعلك تتساءل باستنكار: من يدير هذا المكان؟! وهو سؤال مشروع، فالمفترض أن الوصول إلى قمة الهرم الإداري يتطلب سلسلة طويلة من الخبرات والاختبارات والقدرات، التي تثبت أن من يصل هو الأكثر كفاءة وقدرة على القيادة والنجاح. المؤسف أن التجارب تؤكد أن هذا لا يحدث دائمًا، فإذا كانت معظم الوظائف تتطلب أن تثبت أنك تعرف مهام عملك جيدًا قبل أن تحصل عليه، ففي بعض المناصب الإدارية المتقدمة يحدث العكس تمامًا؛ إذ المهم أن تحصل على المنصب أولًا، ثم «يحلها ربك» فيما بعد!. وبالعودة إلى السؤال (عنوان المقال)، من المهم أن نفرق بين (مهارات المنصب) و(مهارات الوصول إلى المنصب)، فقد يكون الإنسان فقيرًا في الأولى، لكنه بارع جدًا في الثانية؛ يعرف جيدًا (من أين تؤكل كتف الكرسي)؛ كيف يظهر أمام رؤسائه، وكيف يبني شبكة علاقات نفعية.. كيف ينسب النجاحات لنفسه، وكيف يتجاوز من هم أكفأ منه.. وهنا تكمن المفارقة التي تأتي بمعظم هؤلاء السيئين؛ فحين تنتهي رحلة الصعود ويجلس أحدهم على الكرسي، تبدأ المشكلة الحقيقية؛ فقد انتهت المهارات التي أوصلته، وبدأت المهارات التي لا يملكها. يرى عالم النفس «توماس بريموزيك» أن إحدى مشكلات اختيار القيادات هي خلطنا بين الثقة والكفاءة؛ فالأشخاص الأكثر قدرة على تسويق أنفسهم قد يبدون أكثر أهلية للقيادة، لكن هذا لا يعني أنهم أكثر كفاءة بالفعل.. وهنا تكمن واحدة من ألاعيب «الوصول إلى الكرسي»؛ فالمدير السيئ ليس بالضرورة أن يخدع الآخرين بشهادة مزيفة أو سيرة ذاتية غير صحيحة، بل قد يخدعهم بصناعة صورة أكبر من حقيقته، ليصدم الجميع بعد وصوله بأن الرجل الذي كان بارعًا في إقناعهم هو الأنسب، ليس مؤهلاً لأداء أبسط متطلبات المنصب!. للأمانة.. إن وصول هذه العينات إلى بعض المواقع الإدارية لا يمكن تفسيره دائمًا ببراعتهم في «التسلق» فقط؛ فغالبًا ما تبدأ الحكاية من ثغرات في معايير الاختيار والتعيين، يستغلها بعض أصحاب النفوذ لتمرير قريب، أو صديق، أو تابع، أو إعداد خليفة يضمن استمرار نفوذهم بعد رحيلهم.. وتزداد المشكلة حين تصبح معايير الاختيار فضفاضة وقابلة للتطويع؛ عندها لا يعود السؤال «من الأكفأ لهذا الموقع؟»، بل «من نريد أن يصل إليه؟!».. فتتحول المناصب من مسؤوليات تبحث عن الأكفأ لحملها، إلى مكافآت تبحث عمن يصطادها. باختصار.. المدير السيئ هو نتاج لنظام اختيار سيئ؛ أو معايير رخوة يسهل اختراقها، أو بيئة عمل قاصرة تخلط بين الكفاءة والقدرة على الوصول.