كتاب

يوم المعلم.. وذكرياتنا

نبيلة حسني محجوب 29 سبتمبر 2026 22:55 3 دقائق قراءة
لكل منا أبواب في الذاكرة تنغلق سنوات، ثم تنفتح فجأة حين يمر طيف موقف، أو نستعيد كلمة، أو يطل وجه من أيام موغلة في القدم، تجاوزناها وتجاوزتها أعمارنا، لكنها لم تتجاوزنا تمامًا. بقي منها ما يضيء في نفوسنا لحميميته، أو لما مثَّله في مسيرتنا من أثر وقوة وفائدة، وربما لأن بعض الذين مروا في حياتنا تركوا فيها شيئًا لم ندرك قيمته إلا بعد زمن طويل.
ويأتي يوم المعلم فتفتح الذاكرة واحدًا من أوسع أبوابها.
نحتفي بالمعلم، ونكرر الصورة الجميلة التي عرفناها منذ طفولتنا: الشمعة التي تحترق لتضيء الطريق. وربما بدت العبارة لكثرة ما رددناها مألوفة، لكنها تستعيد معناها حين نتذكر حقيقة المهمة التي يقوم بها المعلم؛ أمامه في الفصل أجساد غضة، وقلوب نابضة بالأحلام، وعقول متفاوتة في قدراتها واستعداداتها، وعليه أن يجد طريقه إلى كل واحد منها، وسط فصول مزدحمة، وشقاوة لا تنتهي، وصخب ومراوغة يعرفها كل من وقف يومًا أمام فصل من الطلبة.
وحين أعود بذاكرتي إلى سنوات الدراسة في مكة المكرمة، لا أتذكر المناهج بقدر ما أتذكر الوجوه.
لا أزال أذكر معلمة اللغة العربية الفلسطينية في الصف الخامس الابتدائي، وهي تقص علينا حكاية الاحتلال الإسرائيلي لغزة ورحلة التهجير، تتحدث ودموعها تنساب. كنا صغيرات، وربما لم ندرك يومها كل أبعاد ما ترويه، لكنني لم أنس المشهد. مضت سنوات الدراسة، ونسيت دروسًا كثيرة، وبقيت دموع المعلمة وحكايتها في الذاكرة.
وأذكر معلمة اللغة العربية في الصف السادس الابتدائي، التي قربتني من مادة الإنشاء وشجعتني على حبها. كانت تنصت إلى ما كتبناه كاملًا حين تكتشف منذ بداية قراءة الطالبة جمالًا أو تماسكًا في الموضوع. ربما لم تكن تعرف أنها بذلك لا تستمع إلى واجب مدرسي فقط، بل تمنح طفلة ثقة فيما تكتب، وتفتح أمامها بابًا سيظل مفتوحًا طوال حياتها.
كم من معلم قال كلمة ونسيها، بينما حملها طالب معه عمرًا كاملًا!.
أذكر أبلة صالحة، مؤسسة ومديرة مدرسة الفتاة الأهلية بمكة، وابنتيها أبلة مريم رحمها الله وأبلة زهرة أطال الله في عمرها. وأذكر معلمات مدارس الزهراء في مكة المكرمة، ومؤسس المدرسة المربي عمر عبدالجبار، وابنته أبلة فائقة التي فقدناها قبل نحو عامين. أسماء ووجوه لا تستدعيها الذاكرة باعتبارها جزءًا من تاريخ المدرسة فقط، بل باعتبارها جزءًا من تكوين جيل كامل.
وأتساءل اليوم، وبين سنوات دراستي وهذا العمر الذي بلغته، وبينهما أجيال عديدة تعاقبت على مقاعد الدراسة: هل بقيت علاقة الطالب بالمعلم كما عرفناها؟.
كنا في مدارس الزهراء، إذا رأينا المعلمة تمشي على أحد أرصفة الساحة، انتقلنا إلى الرصيف الآخر احترامًا لها، وإفساحًا لطريقها. لم يكن أحد يأمرنا بذلك، كان احترام المعلم جزءًا من ثقافة المدرسة ومن تربيتنا في البيت. وكان الاحترام متبادلًا.
في المرحلة المتوسطة والثانوية، وبرغم ازدحام الفصول، كانت المعلمة تخاطب الطالبة قائلة «يا آنسة». لا تقول لها «يا بنت». تفصيل صغير جدًا، لكنه حين أستعيده اليوم أرى فيه معنى تربويًا كبيرًا. كانت المعلمة وهي تطلب الاحترام من طالباتها تمنحهن الاحترام نفسه، وتخاطب في الفتاة الصغيرة إنسانة لها مكانتها وكرامتها.
تغير التعليم، وتغيرت المدرسة، ودخلت التقنية إلى الفصل، وأصبح الطالب يصل إلى المعلومة قبل أن ينتهي المعلم أحيانًا من كتابتها، وتبدلت أشياء كثيرة في العلاقة بين الطرفين. وليس من الإنصاف أن نقيس زمنًا بزمن أو جيلاً بجيل؛ فلكل عصر ظروفه وأدواته. لكن شيئًا واحدًا لا أظنه يتغير: المعلم الذي يرى في الطالب أكثر مما يراه الطالب في نفسه.
ذلك هو المعلم الذي يبقى.
في يوم المعلم، لا أتذكر درجات حصلت عليها ولا أسئلة امتحانات أجبت عنها. أتذكر معلمة بكت وهي تحكي لنا وطنها، وأخرى أنصتت إلى موضوع إنشاء كتبته طفلة وشجعتها على أن تواصل.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، لا تزال تلك الطفلة تكتب. فهل تعرف المعلمة إلى أي مدى يمكن أن تعيش كلمة قالتها في فصل دراسي؟.
ربما لا تعرف. لكن تلاميذها يعرفون.

أخبار ذات صلة