
ثمة مشاهد في حياة الأوطان لا تُقاس بما تحمله من أحداث عابرة، وإنما بما تكشفه من قدرة على الصمود، وحكمة في إدارة الأزمات، وطمأنينة تستقر في نفوس الناس؛ رغم ما يحيط بهم من أخطار. ولعل أجمل ما نعيشه في المملكة العربية السعودية أن الحياة لا تتوقف عند حدود التهديد، ولا تستسلم للقلق، بل تمضي في مجراها كالنهر الجاري، تحمل معها أحلام الناس وأعمالهم وتفاصيل أيامهم الصغيرة. في سماء الوطن تتصدَّى الدفاعات الجوية لصاروخ أو طائرة مسيّرة، وفي مكان آخر يمضي طفل إلى مدرسته، وموظف إلى عمله، وأم إلى شؤون أسرتها،
أربعةٌ في واحدٍ، هذه العبارةُ هي الأقربُ لوصف الهديَّةِ الأنيقةِ التي وصلتنِي من الصَّديقةِ الأنيقةِ فكرًا وأدبًا وخُلقًا، الكاتبة انتصار العقيل. أربعة كتبٍ من إبداعاتِها الأدبيَّة، جاءت في تغليفٍ جميلٍ تزيِّنهُ باقةٌ من الزُّهور، وكأنَّ انتصار أرادت أنْ تمنحَ الحرفَ جمالََه، والهديةَ بهجتَهَا، والصَّداقةَ لمستَهَا الخاصَّة. هكذا اجتمعت الكتبُ والزهورُ ودفءُ المشاعرِ في هديةٍ واحدةٍ، تستحقُّ أنْ أتوقَّف عندها، لا لجمالِها وحده، وإنَّما لما تحملُه من مودَّةٍ وتقديرٍ. أمَّا الكتبُ، فهي ثلاثُ
يوم السبت 10 أكتوبر، تعرَّض مطار الملك خالد الدوليِّ بالرِّياض لاعتداءٍ جديدٍ، خلَّف خسائرَ بشريَّة جسيمة؛ إذ أفادت التقاريرُ الأوليَّة بمقتل 12 شخصًا، وإصابة 309، وتكشف هذه الحصيلة المؤلمة عن خطورة الاعتداءات التي تستهدف المرافق المدنيَّة، وعن الثَّمن الإنساني الباهظ، الذي يدفعه الأبرياءُ جرَّاء الاعتداءات الغاشمة على الوطن. في مواجهة هذه الاعتداءات، تبرز أهميَّة سرعة استجابة الجهات المختصَّة في المملكة، وتكامل جهود الطوارئ، والرِّعاية الصحيَّة، والأجهزة المعنيَّة، إلى جانب الإجراءات الأمنيَّة
لم يعد التَّصعيدُ الحوثيُّ يمثِّلُ تهديدًا لأمن المملكة العربيَّة السعوديَّة وحدها، بعدما امتدَّت مخاطرُه إلى نطاق المدينة المنوَّرة، إحدى أقدس مُدن العالم الإسلاميِّ، في تطوُّرٍ يكشفُ خطورة امتلاك ميليشيا الحوثيِّ قدراتٍ صاروخيَّةً، ومسيَّراتٍ قادرةً على الوصول إلى المُدن والمناطق ذات المكانة الدينيَّة الكُبرى. وبحسب البيان الصَّادر عن قوَّات التحالف لدعم الشرعيَّة في اليمن، وقع فجر الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 هجومٌ استهدف محطَّة «طيبة» لتوزيع الكهرباء في المدينة المنوَّرة. وأكَّدت نتائجُ
لكل منا أبواب في الذاكرة تنغلق سنوات، ثم تنفتح فجأة حين يمر طيف موقف، أو نستعيد كلمة، أو يطل وجه من أيام موغلة في القدم، تجاوزناها وتجاوزتها أعمارنا، لكنها لم تتجاوزنا تمامًا. بقي منها ما يضيء في نفوسنا لحميميته، أو لما مثَّله في مسيرتنا من أثر وقوة وفائدة، وربما لأن بعض الذين مروا في حياتنا تركوا فيها شيئًا لم ندرك قيمته إلا بعد زمن طويل. ويأتي يوم المعلم فتفتح الذاكرة واحدًا من أوسع أبوابها. نحتفي بالمعلم، ونكرر الصورة الجميلة التي عرفناها منذ طفولتنا: الشمعة التي تحترق لتضيء الطريق. وربما
ليست الأوطانُ حدودًا مرسومةً على الخرائط، ولا أسماءَ نحفظُها في كُتب الجغرافيا، وإنَّما هي ذلك الشعورُ العميقُ الذي يتكوَّن في داخلنا منذ الطُّفولة، وينمُو معنا عامًا بعدَ عامٍ، حتَّى يصبح جزءًا من ذاكرتنا، وهُويَّتنا، وتكويننا الإنسانيِّ. ولعلَّ المناسبات الوطنيَّة من أكثر اللَّحظات قدرةً على تحويل هذا الشُّعور المجرَّد، إلى صورةٍ حيَّةٍ نراها، ونعيشُها، ونشاركُ فيها. وفي اليوم الوطنيِّ السعوديِّ، لا تبدُو المُدن كما هي في بقيَّة أيام العام. يكتسي المكانُ باللَّون الأخضر، وترتفعُ الأعلامُ على
لم تعدْ كلمةُ «المحتوى» غريبةً على قاموس حياتنَا اليوميَّة، بل أصبحت من أكثر الكلمات تداولًا، حتَّى بات كلُّ مَن يحملُ هاتفًا، ويملكُ حسابًا في إحدى منصَّات التَّواصل، قادرًا على أنْ يقدِّم نفسه بوصفه «صانع محتوى». لكنَّ السُّؤال الذي يستحقُّ التأمُّل ليس: مَن يصنع المحتوى؟ بل: ماذا يصنعُ هؤلاءُ؟! ليس كلُّ ما يُنشر محتوى، وليس كلُّ ما يحصدُ آلافَ المشاهدات جديرًا بأنْ يُسمَّى كذلك. هناك فرق كبير بين أنْ تملأ الشَّاشة، وأنْ تملأ عقلًا، أو وجدانًا، أو تُضيف معرفةً. المحتوى -كما أفهمُهُ- لا
كان يوم الأحد الماضي، 6 سبتمبر 2026م، يومًا مختلفًا بالنسبة لنا، نحنُ عضوات «صالون الكلمة الثقافي». ليس لأنَّه موعد انطلاقة الموسم الثالث فحسب، بل لأنَّه موعد العودة إلى حضور وفيٍّ ظلَّ حريصًا على لقاءات الصالون، واعتدنا نحنُ وجوده وشغفه بالكلمة والحوار. بعد غياب امتدَّ طوال أشهر الصيف، كان للعودة طعمُ اللقاء بعد اشتياق. افتقدنَا تلك الوجوه التي صنعت بحضورها جزءًا من ذاكرة الصالون، وافتقدنا الأسئلة والمداخلات والحوارات التي لا تنتهي دائمًا بانتهاء الأمسية. لذلك حرصنا أنْ تكون عودتنا جديرةً بهذا
كثيرةٌ هي الكلماتُ التي نقولُها بسهولةٍ، ولكن هناك أُخْرى تحتاجُ منَّا إلى قدرٍ من الشجاعة قبل أنْ نعترفَ بها، ولعلَّ جملة «أنا أخطأتُ» واحدةٌ من أصعب الجُمل على النَّفس البشريَّة، ليس لأنَّ الإنسان لا يدركُ خطأه دائمًا، وإنَّما لأن الاعتراف به يبدُو، في نظر البعض، تنازلًا عن مكانةٍ أو هيبةٍ، وربَّما هزيمة صغيرة أمام الآخرِ؛ لهذا نتقنُ التَّبرير أكثر ممَّا نتقنُ الاعتذار. نشرحُ الظُّروف، ونستعيدُ تفاصيل الموقف، ونبحثُ عن الأسباب التي دفعتنا إلى ما فعلنا، وقد نستدعي أخطاء الطَّرف الآخر القديمة؛
يقفُ أحدُنا أمام المصعد، يضغطُ الزِّرَ مرَّة، ثمَّ يُعيد الضَّغط بعد ثوانٍ، كأنَّ المصعد سيفهم استعجَالَه، ويقرِّر أنْ يصعدَ إليه أسرعَ. نقفُ أمامَ إشارةِ المرور، فنراقبُها بضيقٍ يرفعُ توترنا. إذا تأخَّر الردُّ على رسالة أرسلنَاهَا بدأنا نتساءلُ: لماذا لم يردْ؟. في المطعم نريدُ أنْ يصلَ الطَّلبُ قبلَ أنْ ينهي الجرسُون تسجيل الطلبيَّة. على الهاتف لا نحتملُ أنْ يضعنَا موظَّفُ خدمةِ العملاءِ على الانتظار أكثرَ من دقائقَ قليلةٍ. تفاصيلُ صغيرةٌ، نمارسُها كلَّ يوم دونَ أنْ نتوقَّف عندها، لكنَّها
لا شكَّ أنَّ العزلة أحيانًا ضرورةٌ يحتاجها الإنسانُ في مراحل من حياته؛ ليراجع نفسه، أو يرتِّب أفكاره، أو يتفرَّغ لإنجاز عمل، أو قراءة كتاب، أو الكتابة بعيدًا عن ضجيج الحياة ومطالبها التي لا تنتهي. وهي بهذا المعنى اختيارُ مفهومٌ ومقدَّرٌ، بل قد تكون حاجة إنسانيَّة لا تقل أهميَّة عن حاجتنا إلى الآخرين. لكنَّ العزلة التي أتوقَّف عندها هنا، ليست تلك الخلوة المختارة، وإنَّما نوعٌ آخرُ من الانكفاء، أنْ تكون وسط النَّاس، تراهم كلَّ يوم ويرونكَ، وتتقاطعُ طرقُكم مرَّات عديدة، ومع ذلك تصرُّ على ألَّا
كل كتاب جديد يُحتفل به، يذكِّرني بأنَّنا لا نصفقُ للكتاب، بل للرحلة الطويلة التي سبقته. فالكتابُ لا يولدُ عندما يخرج من المطبعة، وإنِّما يولد في ليالٍ طويلةٍ من القراءة، والتأمُّل، والشكِّ، والمراجعة، وفي لحظات يظنُّ فيها الكاتب أنَّه لن يصل إلى النهاية. لذلك فإنَّ الاحتفاء بالإصدار الجديد، هو في حقيقته احتفاء بالإنسان الذي انتصر على التعب، ووصل أخيرًا إلى قارئه. هذا ما شعرتُ به وأنا أحضرُ الاحتفاءَ بصدور كتاب «وللحديث بقية»، للأستاذ عدنان صعيدي، في أمسيةٍ نظَّمها نادي «ستين تسعين»، بحضور معالي
في التاريخ، كانت الحروبُ تبدأ على اليابسةِ، أمَّا اليوم، فإنَّ العالم يراقبُ البحرَ بقلقٍ أكبرَ. فالسفنُ لم تعدْ مجرَّد وسائل نقل، بل أصبحت شرايين الاقتصاد العالميِّ، تحملُ الغذاء والدَّواء والطَّاقة والمواد الخام، وتربطُ بين القارَّات، كما تربط الشرايين بين أعضاء الجسد. ولذلك فإنَّ أيَّ اضطرابٍ في الممرَّات البحريَّة لا يبقى أزمةً إقليميَّةً، بل يتحوَّل سريعًا إلى قضيَّة تمسُّ حياة النَّاس في أقصى الشرق، وأقصى الغرب. من هنا يمكن قراءة المبادرة، التي أعلنتها المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ؛
لا شكَّ أنَّنا، عضوات صالون الكلمة الثقافيِّ، نفتقدُ تلك الأجواء التي عشنَاها خلال موسمين من الفعاليَّات المتنوِّعة، خصوصًا بعد أنْ وُفِّقنَا في استقطاب شخصيَّات متميِّزة على المستوى الفكريِّ والثقافيِّ والإنسانيِّ. وللمكان في جمعيَّة الثقافة والفنون أهميَّته، غير أنَّ المكان لا يصنعُ روحه من جدرانهِ، ولا من مقاعدهِ، ولا من الإضاءة التي تُهيَّأ بعنايةٍ قبل بدء اللقاء؛ بل تصنعُها الوجوهُ التي تعبره، وتتركُ فيه أثرًا يشبه أثرَ اليدِ على الماء: لا يُرى، لكنَّه يُحسُّ. في الصالونات الثقافيَّة التي
نمرُّ كلَّ يوم بالوجوه، أو تمرُّنَا، دون أنْ نقرأ شيئًا يشي بما يختبئ خلفها. ربَّما نجد تلك الفرصة للتأمُّل فيمن يمرُّون بنا ونحن في حالة انتظار. في مستشفى مثلًا، حيث الانتظار يطول بقدرِ طولة البال، والقدرة على الصَّبر؛ نجد فرصةً للتأمُّل. نرقبُ حركة المارِّين والدَّاخلين غرفة الانتظار، أو أنَّنا جلوس في مقهى منفردِين نتأمَّل وجوه البشر وقاماتِهم، وأحيانًا تشدُّنا بعض الوجوه لنتأمَّلها بقوَّة، ربما نستلهمُ من ملامحها أو حركة الأجساد شيئًا يشي بحكاياتٍ مخفيَّةٍ خلف التجهُّم أو الابتسام، خلف
الدكتور عبدالله صادق دحلان؛ شخصية ثرية تغري الكُتَّاب بالحفر والتنقيب عن الكنوز العلمية والإنسانية والفكرية التي تمثل أبعاداً عميقة في شخصية دحلان، كذلك مشاريعه الثقافية والعلمية والإنسانية التي تفجِّر طاقة الوعي بهذه الشخصية الاستثنائية في مجتمعنا العلمي والثقافي والإنساني. قبل أشهر عديدة دعيت للمشاركة في ندوة عن مشروع عبدالله دحلان الثقافي، نظمتها البروف أمل التميمي، وحشدت لها أسماء لمست عن قرب مبادراته العظيمة لدعم الثقافة في كل تنوعها. اليوم بين يدي كتاب قيم بعنوان: «رحلة في فكر عبدالله
لا يمرُّ المونديالُ كحدثٍ رياضيٍّ عابرٍ، فهو مسرحٌ واسعٌ تتقاطعُ فيه المهارة بالهويَّة، والطُّموح بحسابات الملعب الدَّقيقة، والانتصار بقدرة اللَّاعبين على احتمال الضَّغط. في كلِّ نسخة من كأس العالم تُكتب قصص تُفرِح جماهيرَ، وتكسر قلوبَ أُخْرى، وبين هزيمة منتخبٍ عربيٍّ، وتأهُّل آخرَ يجد المتابعُ نفسه أمام سؤال أعمق من النتيجة: لماذا يفوزُ فريقٌ.. ولماذا يخسرُ آخرُ؟، وكيف تتحوَّل مباراة واحدة إلى لحظةٍ لا تُنسَى في ذاكرة الشُّعوب؟. هزيمة المنتخب السعودي، أيًّا كانت تفاصيلها الرقميَّة، لا يمكن
حين تُكرَّم الدكتورةُ هند صالح باغفار، فإنَّنا لا نحتفي باسم ثقافيٍّ عابرٍ، بل نحتفي بذاكرةٍ وطنيَّةٍ كاملةٍ، وبامرأةٍ جعلت من التراث مشروعَ عُمرٍ، ومن الحكاية الشعبيَّة وثيقةً، ومن الحرفة القديمة شاهدًا على حياة النَّاس، وملامح المكان. فالتَّكريمُ الذي حظيت به مؤخَّرًا على مسرح جمعيَّة الثقافة والفنون بجدَّة، من جمعيَّة التراث غير الماديِّ، ليس مجرَّد مناسبة بروتوكوليَّة، بل هو اعترافٌ مُستحقٌّ بمسيرة طويلة في خدمة الثقافة الشعبيَّة، والتراث السعوديِّ. هند باغفار -مع حفظ الألقاب- ليست باحثةً
للحياةِ طعمٌ يتشكَّل من الذَّاكرة والحنين، من أُمسيات مضت، ولحظات نعيشُها، ومشاعر صادقة تحفظُها الأيامُ في وجدان الإنسان. من هنا اكتسبت الخواطرُ والسِّيرُ الذاتيَّة قيمتها الخاصَّة، فهي لا تروي حياة كاتبها وحده، بل تفتحُ أمام القارئ مرآةً يرى فيها شيئًا من حياته وتجربته. وتحضرُ هنا مقولة سيمون دي بوفوار: «إذا صدقَ امرؤٌ في الكشفِ عن نفسهِ، فإنَّ النَّاسَ كلَّهم يجدُونَ أنفسَهُم معنيِّينَ». هذه الفكرة تتجدَّد في الذِّهن عند قراءة كتاب يقوم على البَوح الذاتيِّ، ولا سيَّما إذا كان صاحبُه شخصيَّةً
يطلُّ علينا العامُ الهجريُّ الجديدُ 1448، ونحنُ لا نغادرُ عامًا عاديًّا، بل نعبرُ من سنةٍ مثقلةٍ بالأحداثِ المشتعلة، والأسئلة المفتوحة، والقلق الذي صار خبزًا يوميًّا على موائد الأخبار. فالبداياتُ، مهما بدت رمزيَّةً، تمنحُ الإنسان فرصةً؛ ليعيد ترتيب ذاكرته ورجائه؛ غير أنَّ الذَّاكرة هذه المرَّة لا تأتي خفيفةً، بل تحملُ معها صور غزَّة، وهي تبحثُ عن هدنةٍ لا تشبه السَّلام الكامل، وسوريا، وهي تحاولُ أنْ تخرجَ من ركامٍ طويلٍ إلى احتمال دولةٍ أكثر أمنًا، ولبنان، وهو يختبرُ معنى استعادة التَّوازن بعد