Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

الانحياز إلى العزلة

A A
لا شكَّ أنَّ العزلة أحيانًا ضرورةٌ يحتاجها الإنسانُ في مراحل من حياته؛ ليراجع نفسه، أو يرتِّب أفكاره، أو يتفرَّغ لإنجاز عمل، أو قراءة كتاب، أو الكتابة بعيدًا عن ضجيج الحياة ومطالبها التي لا تنتهي. وهي بهذا المعنى اختيارُ مفهومٌ ومقدَّرٌ، بل قد تكون حاجة إنسانيَّة لا تقل أهميَّة عن حاجتنا إلى الآخرين.
لكنَّ العزلة التي أتوقَّف عندها هنا، ليست تلك الخلوة المختارة، وإنَّما نوعٌ آخرُ من الانكفاء، أنْ تكون وسط النَّاس، تراهم كلَّ يوم ويرونكَ، وتتقاطعُ طرقُكم مرَّات عديدة، ومع ذلك تصرُّ على ألَّا تفتح نافذة صغيرة للتواصل معهم، ولو بتحيَّةٍ أو ابتسامةٍ.
تبدُو هذه الظاهرة أكثر وضوحًا في الرِّحلات الطويلة، وربَّما أكثر منها في المنتجعات الصحيَّة التي يقيمُ فيها النُّزلاء أيامًا أو أسابيعَ. تنتهي الجلساتُ العلاجيَّة مبكِّرًا، ويبقى نهارٌ طويلٌ، وخياراتُ التَّرفيه محدودة، والوجوه نفسها تتكرَّر في الإفطار والغداء والعشاء، وفي ممرَّات العلاج، وصالات الانتظار، وأماكن الجلوس.
من الطبيعيِّ، أو هكذا كنتُ أعتقدُ، أنْ تنشأ في مثل هذه الأماكن أُلفةٌ عابرةٌ بين النَّاس. لا أتحدَّث عن صداقات، ولا عن اقتحام للحياة الخاصَّة، وإنَّما عن أبسط أشكال التواصل الإنسانيِّ: صباحُ الخير، كيفَ حالُك؟ ابتسامةٌ، سؤالٌ عن المكانِ، أو حديثٌ قصيرٌ يبدِّد بعضًا من رتابة اليوم.
لكنْ، كما يقولُون: يا ما تعيش، يا ما تشوف!.
فبينما يبادرُ أشخاصٌ من دولٍ، وثقافاتٍ، ودياناتٍ مختلفةٍ بالابتسام، وإلقاء التحيَّة، يفاجئكَ بعضٌ من ربعنا بأنَّه لا يبادرُ بالسَّلام، وبعضُهم لا يردُّ التحيَّة أصلًا. ومَن جاء ضمن جماعةٍ يكتفي بجماعتهِ، وكأنَّ بقيَّة الموجودِينَ غيرُ مرئيِّينَ، ومَن جاء وحيدًا قد يُمضي أيَّامه كلَّها وحيدًا، رغم أنَّه يعيشُ وسط الوجوه نفسها صباحًا ومساءً.
وأمام هذا السلوكِ، أحاولُ دائمًا أنْ ألتمسَ الأعذار. ربَّما جاءَ أحدُهم مثقلًا بهمومِهِ، أو أنَّه بطبيعتهِ قليلُ الاختلاط، أو مرَّ بتجاربَ جعلته حذرًا في علاقاتِهِ، أو يريدُ أنْ يستثمرَ هذه الأيام في الرَّاحة والصَّمت. وكلُّها أسباب يمكن فهمها واحترامها.
لكنَّ السؤال يبقى: متى أصبحَ مجرَّد التعارفِ عبئًا؟.
فالتعرُّف إلى الآخرين لا يعني الدخول في حياتهم، والحديث العابر لا يمنح أحدًا حق اقتحام خصوصيتنا. بين الصداقة والعُزلة مساحة إنسانيَّة رحبة، يعيشُ فيها النَّاسُ معًا دون التزامات؛ نتبادل فيها التحيَّة، والكلمة الطَّيبة، والحكاية العَابرة، ثمَّ يمضي كلٌّ منا إلى شأنه.
أتذكَّرُ كيف كان السَّفر في زمنٍ سابقٍ، يفتحُ أبواب التعارف تلقائيًّا. يبدأ الحديثُ في الطَّائرة، أو القِطار بسؤال بسيط: مَن أينَ أنتَ؟ ثمَّ يمتد إلى المدن، والعمل، والأبناء، والكُتب، والذِّكريات. قد تنتهي الرِّحلة، وتنتهي معها المعرفة، وقد تتحوَّل المصادفةُ إلى صداقةٍ تمتد سنواتٍ. وفي الحالتين كنَّا نعودُ من الرِّحلة ونحن نحملُ -إلى جانب حقائبِنَا- حكاياتِ بشرٍ التقيناهُم في الطَّريق.
اليوم تغيَّر المشهدُ.
ما إنْ نجلسَ حتَّى نُخرِجُ هواتفنا، ونضعُ السمَّاعات في آذاننا، وننسحبُ إلى عوالمنا الخاصَّة. أصبح في مقدور الإنسان أنْ يقضي رحلةً كاملةً إلى جوار شخصٍ آخرَ دون أنْ يسمع صوتَهُ. والأكثر مفارقةً أنَّنا قد نقضي تلك السَّاعات نفسها نتحدَّث عبر الهاتف مع أشخاصٍ تفصلُنا عنهم آلافُ الكيلومترات.
ومع ذلك لا أعتقدُ أنَّ التقنية وحدها مسؤولةٌ. ربَّما تغيَّر مفهومُ الخصوصيَّة أيضًا، وأصبح الإنسانُ أكثر حذرًا في علاقاتِهِ، وربَّما أثقلته كثرةُ الاتِّصالات حتَّى صار يبحثُ عن الصَّمت حين تُتاح له الفرصة. لكن هل ينبغي أنْ يصل الحرصُ على الخصوصيَّة إلى إلغاءِ الآخرِ؟.
فالتحيَّةُ ليست اقتحامًا، والابتسامةُ لا تفرض صداقةً، والكلمةُ الطَّيبة لا تنشئُ التزامًا.
والنَّاسُ الذين نلتقيهم في الطَّريق، ليسوا دائمًا عبئًا ينبغي تجنُّبه. قد يكونُونَ أحدَ أجمل مصادر معرفتِنَا بالحياة. من حديثٍ عابرٍ نتعرَّف إلى مدينةٍ لم نزرهَا، أو عادةٍ لم نعرفهَا، أو تجربةٍ مختلفةٍ عن تجربتِنَا. وربَّما نكتشفُ، من خلال شخصٍ لا يشبهُنَا، أنَّ البشر مهما اختلفت لُغاتهم، وثقافاتهم، يتشابهُونَ أكثرَ ممَّا نتصوَّر.
وربَّما نحتاجُ، وسط هذا الانحياز المتزايد إلى العُزلةِ، إلى أنْ نستعيدَ أبسط ما كان يجمعُ البشرَ: أنْ ننظرَ إلى مَن حولنا، نبتسمُ، ونُلقِي التَّحيَّة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store