كثيرةٌ هي الكلماتُ التي نقولُها بسهولةٍ، ولكن هناك أُخْرى تحتاجُ منَّا إلى قدرٍ من الشجاعة قبل أنْ نعترفَ بها، ولعلَّ جملة «أنا أخطأتُ» واحدةٌ من أصعب الجُمل على النَّفس البشريَّة، ليس لأنَّ الإنسان لا يدركُ خطأه دائمًا، وإنَّما لأن الاعتراف به يبدُو، في نظر البعض، تنازلًا عن مكانةٍ أو هيبةٍ، وربَّما هزيمة صغيرة أمام الآخرِ؛ لهذا نتقنُ التَّبرير أكثر ممَّا نتقنُ الاعتذار.
نشرحُ الظُّروف، ونستعيدُ تفاصيل الموقف، ونبحثُ عن الأسباب التي دفعتنا إلى ما فعلنا، وقد نستدعي أخطاء الطَّرف الآخر القديمة؛ لنجعل خطأنا أقلَّ وضوحًا، ونقول: كنتُ غاضبًا، لم أقصدْ، أنتَ أيضًا فعلتَ كذا، الظُّروفُ دفعتني، فهمتَ كلامِي بطريقةٍ خاطئةٍ.. ندورُ طويلًا حول كلمةٍ واحدةٍ كان يمكن أنْ تختصر كلَّ ذلك: أعتذرُ.
الاعتذارُ ليس مجرَّد كلمةٍ من كلمات المجاملة الاجتماعيَّة، بل موقفٌ أخلاقيٌّ يحتاج إلى شجاعةٍ؛ لأنَّ الإنسان حين يعتذرُ، يعترفُ أوّلًا بأنَّه ليس معصومًا من الخطأ، وأنَّ صورته أمام نفسه، وأمام الآخرِين يمكن أنْ تحتمل هذا النَّقص الإنساني الطبيعي.
المفارقةُ أنَّنا نطالبُ الآخرين بالاعتذارِ حين يخطِئُونَ في حقِّنا، ونراه حقًّا لا ينبغي التَّنازل عنه، لكنَّ الأمر يصبحُ أكثرَ تعقيدًا عندما نكون نحن المُطالبِينَ بهِ، حيث يتدخَّل الكبرياءُ، وتبدأ النَّفسُ في بناء دفاعاتِها، كأنَّ الاعترافَ بالخطأ سوف ينتزعُ منها شيئًا لا يمكن استعادته.
بينما يحدثُ العكس في كثيرٍ من الأحيان؛ فالإنسانُ الذي يستطيعُ أنْ يقول بوضوح: «أخطأتُ وأعتذرُ»، لا يصغرُ في أعين الآخرِين، بل يكبرُ؛ لأنَّه امتلك من الثِّقة بالنَّفس ما يسمح له بمواجهة خطئه، دون أنْ يشعرَ بأنَّ مكانته أصبحت مهدَّدةً.
وقد تبدو المسألةُ بسيطةً حين يكون الخطأُ عابرًا بين صديقَين أو زميلَين، لكنَّها تصبحُ أكثرَ أهميَّة داخل الأُسرة. كم من خصومةٍ طالت بين أخِ وأخيه؛ لأنَّ أحدَهما انتظرَ اعتذارًا لم يأتِ! وكم من علاقةٍ بين أبٍ وأبنائهِ كانَ يمكن أنْ تكون أكثر دفئًا لو استطاع الكبيرُ أنْ يعترف بأنَّه أخطأ..!
نربي أبناءنا على الاعتذار حين يسيئون، لكنَّنا ننسى أحيانًا أنَّ أفضل طريقة لتعليمهم هي التعليم بالقدوة، أي حين نمارسها نحن أيضًا.
والاعتذارُ لا يفقدُ الأبَ هيبتَه، ولا المعلَّم مكانتَه، ولا المسؤولَ سلطتَهُ، ولا الكبيرَ قدرَهُ. الهيبةُ التي تسقط باعتذارٍ صادقٍ لم تكن هيبةً راسخةً في الأصل؛ لأنَّ الاحترام الحقيقيَّ لا يقوم على ادِّعاء الصَّواب الدائم. غير أنَّ للاعتذار وجهًا آخرَ لا يقلُّ أهميَّة: أنْ يكون صادقًا.
فليس كلُّ ما يبدأ بكلمةِ «آسف» اعتذارًا. هناك اعتذارٌ يحملُ في داخله اتِّهامًا للآخر: «أعتذرُ إذا كنتَ قد أسأتَ فهمِي»، وكأنَّ المشكلة في فهمهِ لا في تصرُّفنا. وهناك اعتذارٌ مشروطٌ، وآخرُ يأتي لإنهاءِ النِّقاشِ فقط، وثالثٌ نقوله؛ لأنَّنا مُضطَّرُونَ إليه، بينما يبقَى الاعتذارُ الحقيقيُّ واضحًا وبسيطًا: أخطأتُ في حقِّكَ، وأنا آسفٌ.
ولا يعني الاعتذارُ بالضرورةِ أنْ تعود العلاقاتُ كما كانت. فبعضُ الأخطاءِ تترك أثرًا لا تمحُوه الكلماتُ بسهولةٍ، وبعض العلاقات قد تكونُ وصلت إلى نهايتها، لكنَّ الاعتذارَ يظلُّ ضروريًا؛ لأنَّه يُعيد للخطأ اسمَه، وللمتضرِّر حقَّه المعنوي، وللإنسان قدرته على مواجهة نفسه.
وفي حياتنا العامَّة -أيضًا- نحن بحاجةٍ إلى هذه الثقافة. نرى أشخاصًا يدافعُون عن رأيٍ ثبت خطؤه، ويتمسَّكُونَ بموقفٍ لمجرَّد أنَّهم أعلنُوه سابقًا، وكأنَّ تغييرَ الرَّأي عيبٌ. بينما النُّضج الحقيقيُّ أنْ يمتلك الإنسانُ القدرة على مراجعة نفسهِ، وأنْ يقول: كنتُ أرَى الأمرَ بهذهِ الصورةِ، ثمَّ اكتشفتُ أنَّني كنتُ مُخطئًا.
ليس مطلوبًا منَّا أنْ نعيش معتذرِين، ولا أنْ نحمِّل أنفسنا مسؤوليَّة كلِّ خلاف، فالاعتذارُ في غير موضعهِ قد يتحوَّل إلى ضعفٍ في تقدير الذَّات. المطلوبُ فقط أنْ نملك الشجاعة حين نعرفُ أنَّنا أخطأنا، وألَّا نجعل الكبرياء حاجزًا بيننا وبين كلمة تستطيعُ أحيانًا أنْ ترمم علاقة، وتُطفئ غضبًا، وتُعيد إلى قلب إنسان شيئًا من الطمأنينة.
فالخطأ جزءٌ من طبيعتنا البشريَّة، أمَّا الإصرارُ عليه فاختيارٌ. وربَّما لهذا كان الاعتذارُ شجاعةً؛ لأنَّه لا يحتاج إلى إنسانٍ لا يُخطئ، بل إلى إنسانٍ كبيرٍ بما يكفي؛ ليعترف بأنَّه أخطأ.


