Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

الزامل.. فوق هام السحب

A A
للحياةِ طعمٌ يتشكَّل من الذَّاكرة والحنين، من أُمسيات مضت، ولحظات نعيشُها، ومشاعر صادقة تحفظُها الأيامُ في وجدان الإنسان.
من هنا اكتسبت الخواطرُ والسِّيرُ الذاتيَّة قيمتها الخاصَّة، فهي لا تروي حياة كاتبها وحده، بل تفتحُ أمام القارئ مرآةً يرى فيها شيئًا من حياته وتجربته.
وتحضرُ هنا مقولة سيمون دي بوفوار: «إذا صدقَ امرؤٌ في الكشفِ عن نفسهِ، فإنَّ النَّاسَ كلَّهم يجدُونَ أنفسَهُم معنيِّينَ».
هذه الفكرة تتجدَّد في الذِّهن عند قراءة كتاب يقوم على البَوح الذاتيِّ، ولا سيَّما إذا كان صاحبُه شخصيَّةً ثريَّةً بأبعادها الثقافيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وبما تحمله من عطاءٍ وإبداعٍ وبساطةٍ.
الأستاذ منصور الزامل، رجلُ الأعمال، وعاشقُ جدَّة، عرفتُه منذ سنوات بعيدة، مع بدايات الاهتمام بجدَّة التاريخيَّة، ومن خلال مبادراتِهِ مثل «مقعد جدَّة وأيَّامنا الحلوة». في زيارتي -آنذاك- لمنطقة البلد، شعرتُ بعمق هذا العشق للمدينة، رغم أنَّ جذوره تمتدُّ إلى عنيزة في القصيم. غيرَ أنَّ المواطن الصَّالح يرى في كلِّ بقعة من وطنه امتدادًا للبيت الكبير، فيمنحُهَا الحُبَّ والاهتمامَ ذاتهما.
وقد أرسل لي -بكرمهِ المعهود- كتابَ ذكرياتهِ في جدَّة، الصَّادر بعنوان رئيس: «فوق هام السحب»، وبعنوان فرعي: «خواطر فتى يبتلعُ 13 عامًا في الستينيَّات من عمرهِ»، مع تحديد لفترة الكتابة بين 9 سبتمبر 1979م، و2 يونيو 2026م. الكتابُ حديثُ الصُّدورِ، يحمل بين دفَّتَيه تاريخ الفتى «منصور» بين حواري جدَّة وسويسرا، حيث الدِّراسة والاغتراب والحنين الدَّائم إلى المدينة التي ظلَّت تسكنُهُ، في وقت كان كثيرُونَ يتطلَّعُونَ إلى أوروبا بوصفهَا حلمًا للإقامة والحياة.
من خلال هذا الحنين، تتجلَّى روحُ الأصالة والمواطنة التي يعرفُها أبناءُ هذا الوطن، حين تتحوَّل المدنُ إلى ذاكرةٍ، والذاكرةُ إلى وفاءٍ لا يبهت.
يفتحُ الزاملُ ذاكرته عند عتبة الستين، كمن يفتح صندوقًا ثمينًا، فيستخرج منه مشاهدَ الطفولة والصبَا كأحجارٍ كريمةٍ. يستعيدُ نفسه في الثالثة عشرة؛ طفلًا يقفُ وفق معايير مجتمعهِ على أعتاب الرجولة، يراقبُ ويفهمُ ويختزنُ ما يمرُّ به من أحداثٍ ومشاعرَ.
يقولُ في الإهداء: «هذا الكتاب ليس مجرَّد ذكرياتٍ سطَّرتها التجربةُ، بل حوارٌ ممتدٌّ عبرَ الزَّمان، بين رجلٍ في السِّتِينَ وصبيٍّ في الثالثة عشرة من عمرِهِ. هي محاولةٌ جادَّةٌ لترجمةِ تلك الأحاسيس والأفكار التي تسكنُ منصور الصَّبي، حين يواجه الغربةَ في مقتبلِ العُمر».
ويضيف: إنَّه استمتعَ باستعادة تلك المشاعر الصَّادقة، التي أسهمت في نُضجهِ المبكِّر، ومزجهَا بما تعلَّمه في معتركِ الحياة؛ لتبقى المفاهيمُ البريئةُ حجرَ الأساسِ في تكوين شخصيَّته، والبوصلة التي وجَّهته نحوَ المستقبلِ.
وفي المقدِّمة، يعودُ إلى ذلك الصَّبي الذي ما زال ينبضُ في ذاكرته، فيقولُ إنَّه يصافحُ «ذاك الصَّبي ذا الثلاثة عشر ربيعًا»، ويضع خواطره القديمة أمامه من جديد، ولكن بعينِ رجلٍ تجاوز عتبة الستِينَ. وهكذا يتحوَّل الكتابُ إلى مزيجٍ من التأمُّلات والذِّكرياتِ التي تختصرُ ستة عقود من العُمر.
ويعدُ القارئَ برحلة بين قصائد شعريَّة، وخواطر وجدانيَّة، وحكم مستخلصة، وإضاءات من ماضٍ جميلٍ، إلى جانب رحلةٍ علميَّةٍ وأكاديميَّةٍ تنقلت بين ربوع المملكة العربيَّة السعوديَّة، وآفاق سويسرا.
ويبدأ الكتابُ بمفرداتٍ حميمةٍ من ذاكرة الطُّفولة: «أتذكَّرُ ماما منيرة.. كانت تُعطينِي فطيرةً.. أتذكَّرُ المكركروم عندما تضعهُ على الجرحِ.. أتذكَّرُ شنطتَهَا السوداءَ والرِّيالاتِ».
ومن هذه التفاصيل الصَّغيرة، يستعيدُ الحارةَ وأولادَهَا، وباب الحوش المفتوح، حين كانَ المجتمعُ أكثرَ بساطة وأُلفة، وكانَ الجارُ امتدادًا للعائلة.
يتميَّز أسلوبُ الزامل بالعمقِ والسلاسةِ، كأنَّه يحدِِّثكَ، ويخصُّكَ بالبَوح، بذكرياتٍ شكَّلت وجدانه، استلهم منها هذا العشق، الذي أخضر عطاء لمدينة جدَّة، التي عاش فيها ضمن أُسرته الصَّغيرة والممتدَّة، تلك التفاصيل الصغيرة التي اختزنهَا ليست ذكرياتٍ تغيبُ وتحضرُ، بل هي وقودٌ يشحنُ طاقته؛ ليمنح المكان وناسَه، عطاءً وحبًّا.
الصور التوضيحيَّة المرسومة بين الصَّفحات تربطُك بالمكان والأشخاص، وتؤكِّدُ على عناية الزامل بالتَّفاصيل. ولعلَّ هذا الحسَّ هو ما يفسِّرُ نجاحه في مهرجان جدَّة التاريخيَّة، وتجذُّره في الثقافة الاجتماعيَّة والفكريَّة والأدبيَّة. لم أكنْ أعلمُ أنَّ الزامل يملكُ موهبةَ الشِّعر، فقد كنتُ أظنُّ أنَّ رجلَ الأعمال قد تشغله حسابات الواقع عن التأمُّل والحلم، فإذا به شخصية متعددة الأبعاد، تحمل حسًّا إبداعيًّا حاضرًا في كل مجال خاضه، حتى في الكتابة، وسكب الذكريات بهذه العذوبة والجمال.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store