في التاريخ، كانت الحروبُ تبدأ على اليابسةِ، أمَّا اليوم، فإنَّ العالم يراقبُ البحرَ بقلقٍ أكبرَ. فالسفنُ لم تعدْ مجرَّد وسائل نقل، بل أصبحت شرايين الاقتصاد العالميِّ، تحملُ الغذاء والدَّواء والطَّاقة والمواد الخام، وتربطُ بين القارَّات، كما تربط الشرايين بين أعضاء الجسد. ولذلك فإنَّ أيَّ اضطرابٍ في الممرَّات البحريَّة لا يبقى أزمةً إقليميَّةً، بل يتحوَّل سريعًا إلى قضيَّة تمسُّ حياة النَّاس في أقصى الشرق، وأقصى الغرب.
من هنا يمكن قراءة المبادرة، التي أعلنتها المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ؛ لتشكيل تحالفٍ بحريٍّ متعدِّد الجنسيَّات، انضمَّت إليه أربع عشرة دولةً -حتَّى الآن-، مع بقاء الباب مفتوحًا أمام دولٍ أُخْرى للمشاركة في حمايةِ الملاحة الدوليَّة، والتجارة البحريَّة. فالرِّسالة الأساسيَّة للمبادرة ليست صناعة مواجهة جديدة، وإنَّما صناعة مظلَّة تعاون؛ تحمي أحد أهم شرايين الاقتصاد العالميِّ، في البحر الأحمر، وباب المندب، وخليج عدن، وهي مناطق يمر عبرها جزء كبير من تجارة العالم، وإمدادات الطاقة.
لقد أثبتت السَّنواتُ الأخيرةُ أنَّ أمن البحار لم يعدْ مسؤوليَّة دولة بعينها؛ لأنَّ السَّفينة التي تتعرَّض للخطر، قد تحمل بضائع لعشراتِ الدُّول، وتأخيرها يعني خسائر تمتدُّ إلى مصانعَ وأسواقٍ ومستهلكِينَ في أنحاء العالم. وهكذا أصبحت سلامةُ الممرَّات البحريَّة مسؤوليَّة جماعيَّة، تمامًا كما أصبحت مكافحة القرصنة والإرهاب العابر للحدود مسؤوليَّة مشتركة بين الدول.
ولعلَّ أكثر ما يلفت النَّظر في هذه المبادرة؛ أنَّها تنطلق من رُؤية تتجاوز الحسابات الضيِّقة. فالمملكة، بحكم موقعها الجغرافيِّ، وإشرافها على أهمِّ الممرَّات البحريَّة في المنطقة، تدرك أنَّ استقرار التجارة العالميَّة ليس مصلحةً وطنيَّةً فحسبْ، بل مسؤوليَّة دوليَّة أيضًا. ولذلك جاء الإعلانُ عن التَّحالف في إطار تعاونٍ مفتوحٍ، يرحِّب بكلِّ دولةٍ تؤمن بأنَّ أمن البحار منفعةٌ مشتركةٌ، لا امتيازًا سياسيًّا لفريق دون آخرَ.
لقد اعتدنا أنْ نربط القوَّة بالسِّلاح وحده، بينما تثبتُ التجاربُ الحديثةُ أنَّ القوَّة الحقيقيَّة تكمنُ في القدرة على بناء التَّحالفات، وجمع الدُّول حول هدفٍ يخدم الجميع. فالسياسةُ الحكيمةُ لا تنتظر حتى تتفاقم الأزمات، بل تعملُ على منعها قبل أنْ تتحوَّل إلى واقعٍ يصعب احتواؤه. وهذا ما يجعل المبادرات الوقائيَّة أكثرَ تأثيرًا من ردودِ الأفعال المتأخِّرة.
ومن الجميل أنْ نُلاحظ أنَّ مفهوم الأمن نفسه أخذ يتغيَّر. فلم يعد الأمنُ يعني حماية الحدود فقطْ، بل حماية سلاسل الإمداد، وتأمين الغذاء، واستمرار تدفُّق الطَّاقة، وضمان وصول الدَّواء إلى مستحقِّيه، واستقرار الأسواق العالميَّة. إنَّها صورةٌ جديدةٌ للأمنِ، عنوانها التَّعاون، وأداتها الشَّراكة، وغايتها حماية الإنسان أينما كان.
ولا يمكن فصل هذا التوجُّه عن التحوُّلات الكُبرى التي تشهدها المملكة في السَّنوات الأخيرة. فقد أصبحت المملكةُ تقدِّم نفسها شريكًا في صناعة الاستقرار، سواء عبر المبادرات الاقتصاديَّة، أو الجهود الدبلوماسيَّة، أو المشروعات اللوجستيَّة، أو الإسهام في تعزيز أمن الملاحة الدوليَّة. وهذا يعكس رُؤية تُدرك أنَّ المكانة الدوليَّة لا تُبنى بالخطاب وحده، وإنَّما بالفعل المسؤول، والقدرة على جمع الآخرِين حول المصالح المشتركة.
إنَّ البحرَ، في النهاية، لا يعرفُ الحدودَ السياسيَّة. فالأمواجُ التي تغادر ميناءً في الشَّرق، قد تصل آثارها إلى ميناء في الغرب. ولهذا فإنَّ حمايةَ البحرِ ليست دفاعًا عن سفينةٍ بعينها، بل دفاع عن ملايين البشر، الذين ينتظرُونَ بضائعها في كلِّ مكان.
واليوم، حين تتصدَّر المملكةُ مبادرةً لحماية هذه الممرَّات الحيويَّة، فإنَّها لا تدافعُ عن طريق بحريٍّ فحسبْ، بل تسهم في حماية فكرةٍ أوسعَ؛ فكرة أنَّ ازدهار العالم يبدأ من أمن طرقه، وأنَّ السَّلام الحقيقيَّ لا يُقَاس فقط بصمتِ المدافع، بل أيضًا باستمرار حركة السُّفن، ووصول أرزاق النَّاس، وبقاء البحر فضاءً مفتوحًا للتعاون؛ لا ساحةً للصِّراع.


