نعرفُ جبلَ أُحد قبل أنْ نراه، ونستحضرُ عند ذكرِه قولَ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: «أُحدٌ جَبلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». ونعرفُ جبالَ عير، والجماوات، ويقصدُ كثيرُون متنزَّه البيضاء شمال المدينة. لكنْ، في الوقت الذي تحضرُ فيه هذه المعالم بأسمائِها وقصصِها في ذاكرة سكَّان المدينة وزوَّارها، تظلُّ الحرَّةُ الممتدَّة جنوبها أقلَّ حضورًا، رغم اتِّساعها وقيمتها الطبيعيَّة والتاريخيَّة. فماذا نعرفُ عن هذا المشهد البركانيِّ؟ وكم اسمًا من أسماءِ جبالهِ وفوَّهاتهِ يمكنُ أنْ نستحضرَ؟ لا أقول إنَّ حرَّة المدينة غيرُ معروفةٍ، لكن حضورها في أذهانِ النَّاس لا يتناسبُ مع مساحتها، وقيمتها الطبيعيَّة والتاريخيَّة. وقد استخدمتُ اسم «حرَّة المدينة»؛ للدلالة على الجزءِ الشماليِّ من حرَّة رهط، إحدى كُبْرى حرَّات المملكة؛ لارتباطه بالمدينة تاريخيًّا وجغرافيًّا وجيولوجيًّا. وهذه الأرض الواسعة يعرف المُتخصِّصُونَ تفاصيلها، فيما تظلُّ معالم فيها بعيدةً عن معرفة سكَّان المدينة وزوَّارها. كتبتُ مرارًا عن ضرورة الاهتمام بهذه الحرَّة، ونشرتُ مع أحد الزُّملاء بحثًا علميًَّا يقترحُ تطويرها؛ لتكون حديقةً بركانيَّةً. وكنتُ أرَى أنَّها تستحقُّ أنْ تحتضن أوَّل حديقة بركانيَّة في المملكة، تضمُّ متحفًا يعرِّف ببراكينها ولابَّاتها، ويشرحُ صِلتها بتاريخ المدينة، وحياة أهلها. حين بدأتُ دراستِي الميدانيَّة عامَي ١٩٧٩ و١٩٨٠، كانَ الوصولُ إلى كثيرٍ من مواقع الحرَّة شاقًّا. لم تكن شبكة الطُّرق الحاليَّة قد امتدَّت إليها، ولم يكن طريقُ الهجرة، ولا الطريق المؤدِّي إلى قاع غراب على صورتهما اليوم. كنَّا نتنقَّلُ عبر مسالك ضيَّقة، ونتعلَّم كيف نصلُ إلى الموقع قبل أنْ نبدأ دراسته. أمَّا اليوم، فقد امتدَّت الطُّرق، وسهَّل الدَّائريُّ الثَّالث الوصول إلى داخل الحرَّة. وأصبح بالإمكان زيارة مواقع كانَ بلوغها يتطلَّب وقتًا وجُهدًا. وهذا التحوُّل يفتح مجالًا للاستفادة منها، لكنَّه يستدعي تخطيطًا يُراعي طبيعة الحرَّة، ويحافظ على معالمها، مع تحسين طرق الوصول إليها. وتبدأ هذه الحماية بحصر المعالم الجيولوجيَّة والتاريخيَّة، وتحديد المواقع الحسَّاسة، ثمَّ وضع خطَّة للأنشطة السياحيَّة والاقتصاديَّة تراعي طبيعة المكان. وفي إطارها، تُحدَّد مسارات الزِّيارة، ونقاط المُشاهدة، ومواقع لوحات التَّعريف والخدمات. فالغايةُ أنْ يفهم الزَّائرُ ما يراهُ، وأنْ يجد في رحلته معرفةً ومتعةً، مع الحفاظ على ملامح الأرض التي جاء لاكتشافها. يمكن لحرَّة المدينة أنْ تكون متنفسًا لسكَّان المدينة وزوَّارها، وميدانًا للتعلُّم والتأمُّل. وفيها ما يستحقُّ أنْ يُعرَف باسمه وقصَّته، وأنْ يصبح جزءًا من ذاكرة المكان لدى أهله والقادمين إليه. وتحقيق ذلك يحتاج إلى تعريف النَّاس بقيمتها، وإشراكهم في المحافظة عليها. إنَّ حماية حرَّة المدينة تبدأ من تعريف النَّاس بها؛ فما لا نعرفه قد لا ننتبه إلى قيمته، وما لا ندرك أهميَّته يصعبُ أنْ نحافظ عليه. لذلك ينبغي أنْ نمنح هذه الحرَّة حضورًا يليقُ بها في الوعي العام، وأنْ نعرِّف بمعالمها وقصصها، ونفتح إليها طرقًا ومساراتٍ مدروسةً، لا لتكون مقصدًا للزِّيارة فحسب، بل شاهدًا حيًّا على تاريخ الأرض والمدينة. فكل فوَّهة وجبل ومسار فيها هو جزءٌ من ذاكرة المكان. وإذا أحسنَّا تعريف النَّاس بها اليوم، ضَمِنَّا أنْ تبقى حرَّة المدينة غدًا كما هي، أرضًا نابضةً بالحياةِ، محفوظةَ الملامح، حاضرةً في الذَّاكرة، ومصدرًا للمعرفةِ، وموردًا سياحيًّا مهمًّا.