نظنُّ أحيانًا أنَّ معرفة الآخرين تحتاجُ إلى كثيرٍ من الأسئلة، وأنَّ الوصول إلى الحقيقة يقتضي حوارًا طويلًا، لكنَّ التجربة تعلِّمنا أنَّ بعض الحقائق لا تحتاجُ إلى مطاردةٍ، بل إلى هدوءٍ يكفي؛ كي تظهر. وحين نصمتُ قليلًا ونحسنُ الإنصات، نكتشفُ أنَّ الإنسان قد يقولُ عن نفسه، دونَ أنْ يقصد، أكثرَ ممَّا يمكنُ أنْ تقوله الإجاباتُ المباشرةُ. قِيل في الحكمة: «أسمعُ فأعلمُ، وأسكتُ فأسلَمُ». فالصَّمتُ أثناء الحديث ليس فراغًا، بل مساحة للملاحظة. حين لا نستعجلُ الردَّ، نسمعُ ما وراء الكلمات، ننتبه إلى ما يتكرَّر، وما يتغيَّر، وما يُقَال اليوم، ثمَّ يُروى بصورةٍ أُخرى غدًا. وقد تمرُّ جملة يظنُّها صاحبُها عابرةً، بينما تضعُ أمامنا آخر قطعة كانت تنقص مشهدًا كاملًا. فالنَّاس يكشفُون عن أنفسهم في تفاصيل، قد لا ينتبهُون إليها، في حديثهم عمَّن غاب، وفي طريقتهم عند الاختلاف، وفي موقفِهم من أخطائِهم، وفي قدرتِهم على الاعتذارِ، وفي كلماتِهم حين لا تكون هناك حاجة إلى التجمُّل. ولهذا قد نعرفُ الإنسان من حديثٍ عابرٍ أكثرَ ممَّا نعرفُه من حديثٍ أعدَّه بعنايةٍ؛ ليعرِّفنا بنفسه. ومن هنا يصبح الصمتُ حمايةً أيضًا. إنَّه لا يحمينا؛ لأنَّنا عاجزُون عن الكلام، بل لأنَّه يمنحنا فرصة ألَّا نكشفَ أنفسنا قبل أنْ نعرف من أمامنا، وألَّا نسلِّم مشاعرنا لكلِّ مَن أجاد الاقتراب، وألَّا نمنح خصوصيتنا لمَن لم تختبره المواقفُ بعد. فليس كلُّ مَن أحسن الاستماع مؤتمنًا، ولا كلُّ مَن اقتربَ أصبح أهلًا لمعرفة ما وراء أبوابنا. وقد نُقل عن الجاحظ: «الصَّمتُ في موضعِهِ ربَّما كان أنفعَ من الإبلاغِ في موضعِهِ». وما أكثر ما حمتنا كلمةٌ لم نقلها، كلمة كان سيولِّدها الغضبُ، ثمَّ يترك لنا ندمَها، أو حقيقة كدِنَا نبوحُ بها لمَن لا يستحقُّ معرفتها، أو تبرير كِدَنا نستنزفُ أنفسنا فيه أمام شخصٍ لم يكن يريدُ أنْ يفهمنا أصلًا. فأحيانًا تكونُ القوة في أنْ تملك الإجابة، ولا تستخدمها، وأنْ ترى الاستفزازَ ولا تمنحه ما يبحث عنه، وأنْ تعرف الحقيقة، دون أنْ تدخل في معركة لإثبات أنَك تعرفها. ولعلَّ أجمل ما يمنحه لنا الصَّمتُ، أنَّه يترك للآخرين فرصة أن يكونُوا على سجيتهم. فحين نشرحُ كثيرًا ما نحبُّ وما نرفضُ، وما ننتظرُ وما لا نقبلُ، قد نمنح الآخرِين -دونَ قصدٍ- مفاتيحَ الصُّورة التي نرغبُ في رؤيتها. أمَّا حين نترك للمواقف أنْ تتحدَّث، فإنَّ الطباع تظهرُ على حقيقتها، وتتكفلُ الأيامُ بإظهار ما لا تستطيعُ الكلماتُ إخفاءه طويلًا. كم من شخصٍ أجاد الحديثَ عن الوفاء، ثمَّ خذلته أوَّل المواقف، وكم من آخر لم يتحدَّث يومًا عن المروءة، لكنَّ أفعاله قالتْ عنه ما لم يقله عن نفسِهِ. فالكلماتُ قد تصنعُ انطباعًا، أمَّا المواقفُ فتصنعُ معرفةً. ومع مرور الوقت، ندركُ أنَّنا لم نكنْ بحاجةٍ إلى إجاباتٍ عن كلِّ أسئلتنا؛ بعضُها أجابت عنه الأيامُ، وبعضها كشفته التناقضاتُ، وبعضها جاءنا حين توقَّفنا عن السؤال، واكتفينا بالإنصات والملاحظة. ومع ذلك، فالصَّمتُ ليس فضيلةً في كلِّ موضعٍ. هناك صمتٌ يحمي، وصمتٌ يضيِّع حقًّا. وهناك موقفٌ يكون فيه التجاوز حكمةً، وآخر يصبح فيه الكلامُ مسؤوليَّة، وحدود لا تُصان إلَّا بالوضوحِ. لذلك لا تكمن الحكمة في أنْ نصمت دائمًا، ولا في أنْ نمتلك جوابًا لكلِّ شيء؛ بل في أنْ نعرف قيمة الكلمة قبل أنْ نقولها، وقيمة الصَّمت قبل أنْ نقطعه. * همسة أمل: لا تتعجّل معرفة النَّاس، ولا تُرهق نفسَك بكثرة الأسئلة؛ دع للوقتِ نصيبَه، وللمواقفِ كلمتَها، وللصَّمتِ فرصةَ أنْ يكشف ما لا تستطيع الأسئلةُ الوصولَ إليه.