كتاب

أروع منتجع في الدنيا

د. محمد طلال سمسم 03 أكتوبر 2026 23:07 دقيقتان قراءة
في زمنٍ كثرت فيه وسائلُ الرَّاحة.. وقلَّت فيه السَّكينةُ، بات النَّاسُ يبحثُون عن الهدوء في المنتجعات، وبرامج الاسترخاء.
إلَّا أنَّ من نعم الله -عزَّ وجلَّ- أنْ جعل في الأرض بقاعًا تتنزَّلُ فيها السَّكينة، وتطمئنُ بها النُّفوسُ، وأطيبُ تلك البقاع، بعد بلد الله الحرام، المدينة المنوَّرة.
طيبة الطَّيبة هي أروعُ منتجعٍ روحيٍّ في الدنيا، لا بالمعنى السياحيِّ والماديِّ المحدود، بل بمفهومٍ أسمَى يتجاوز إلى صفاء الرُّوح، وسكينة القلب، والبَرَكة في كلِّ شيءٍ.
منذ أنْ شرَّفها اللهُ -عزَّ وجلَّ- بالمبعوثِ رحمةً للعالمِينَ، الهادِي الأمينِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وجعلها دارَ هجرتِهِ ومثواه، أصبحت هي المنوَّرة وهي الطيِّبة.
كلَّما اقترب المرءُ منها أحسَّ بالسَّعادة والطمأنينة، يسبقه إليها القلبُ قبل العينِ، وتبلغها النَّفسُ قبل الجسدِ.
لا عجبَ أنْ تهفُو إليها قلوبُ المؤمنين، وأنْ يلجأوا إليها كلَّما أثقلتهم أعباءُ الدنيا. يقصدها المؤمنُ حاملًا همومَه وشواغلَه، فإذا بكثيرٍ ممَّا كان يراهُ كبيرًا يصغرُ، وبما كان مضطربًا في داخله ينتظمُ، فيشعر بخفَّة الرُّوح، ولُطف السَّكينة.
المؤمنُ لا يتعافى بالجسد فقط، بل تتعافَى رُوحه في بيئةٍ تذكِّره بالرَّحمة، وبالسَّلام الداخليِّ الذي لا ينفصلُ عن حُسن الخُلق.
طيبة الطيَّبة تمنحُ زائرها عافيةً روحيَّةً، لا يرصدها تقريرٌ طبيٌّ، ولا يقيسها جهازٌ حديثٌ؛ لكنَّها تُلمس في هدوءِ النَّفس، ولِين القلب، وانحسارِ التوتُّر.
ولطيبة الطيِّبة عافيةٌ اجتماعيَّة مُستدامة؛ ففي رحابها تأسَّس مجتمعٌ قام على الإيمان، والمؤاخاة، والإيثار والتَّكافل، لا على المصلحة العابرة، ولا على رابطة الدَّم وحدها. هي النموذجُ العمليُّ لبناء الإنسان والمجتمع، وفي أهلها نزل الثَّناءُ الربانيُّ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
فيها مَوَاطنٌ ارتبطت بالجنَّة والمحبَّة والإيثار، وبسيرة الحبيب المُختار -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «مَا بَينَ بَيتِي ومِنبَرِي رَوضةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، ومِنبَري علَى حَوضِي»، «أُحُدٌ؛ جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه».
يبقى فضلُ طيبة أكبر من أنْ يحيط به مقالٌ، وأعمق من أنْ تختزله عبارةٌ. إذا زرتها أحببتها، وإذا غادرتها اشتقت إليها، وإذا عدت إليها شعرت بأنَّك عدتَ إلى مَوطن الرُّوح، ومأوى السَّكينة.
قال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «إنَّ الإيمانَ لَيَأرِزُ إلى المَدينةِ كمَا تَأرِزُ الحَيَّةُ إلى جُحرِهَا»، وقالَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «والمَدينةُ خَيرٌ لهُم لوْ كانُوا يَعلََمُونَ».
واقتداءً بدعاءِ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلينَا المَدينةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أو أشَدَّ، وصَحِّحْها، وبارِكْ لَنَا فِي صَاعِها ومُدِّهَا»، اللَّهُمَّ ارزقنَا حبَّ مدينةَ نبيِّكَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، والأدبُ في مسجدِ نبيِّكَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وصدق الاتِّباع لِهَديِهِ، واحْشرنَا في زمرتِهِ، واسقنَا من حوضِهِ شربةً لَا نظمأُ بعدَهَا أبدًا، واجعل لنَا فِي طيبة نصيبًا من السَّكينةِ والبَرَكةِ.

أخبار ذات صلة