
في زمنٍ كثرت فيه وسائلُ الرَّاحة.. وقلَّت فيه السَّكينةُ، بات النَّاسُ يبحثُون عن الهدوء في المنتجعات، وبرامج الاسترخاء. إلَّا أنَّ من نعم الله -عزَّ وجلَّ- أنْ جعل في الأرض بقاعًا تتنزَّلُ فيها السَّكينة، وتطمئنُ بها النُّفوسُ، وأطيبُ تلك البقاع، بعد بلد الله الحرام، المدينة المنوَّرة. طيبة الطَّيبة هي أروعُ منتجعٍ روحيٍّ في الدنيا، لا بالمعنى السياحيِّ والماديِّ المحدود، بل بمفهومٍ أسمَى يتجاوز إلى صفاء الرُّوح، وسكينة القلب، والبَرَكة في كلِّ شيءٍ. منذ أنْ شرَّفها اللهُ -عزَّ وجلَّ-
في مقابل الشخصيَّات السامَّة، وما تتركه من ضيقٍ في النَّفس وثقلٍ في المجلس، يسَّر اللهُ لنا أناسًا تكون صحبتُهم طمأنينةً للقلب وسعةً للصدر، ويمنحُون من حولهم قدرة أفضل على احتمال مُكدِّرات الحياة في الأسرة، والعمل، وسائر العلاقات. هذه هي الشخصيَّة الإيجابيَّة، فهي لا تُنكر الصعوبات، ولكن تتعامل معها بصبرٍ «جميل»، وتتعلَّم منها لمواجهة مواقف الحياة القادمة، وتحوِّل الخلافَ إلى فرصةٍ للإصلاح. وليست الإيجابيَّة كثرة ضحك، أو إظهارًا دائمًا للبهجة، وإنَّما هي روحٌ تبعث السَّكينة والاطمئنان. فالشخصُ
أثرُ السُّموم على الجسد معروفٌ ومحذورٌ - سلَّمنا اللهُ وإيَّاكُم- غير أنَّ هناك سمومًا أُخْرى لا تُرَى، لكنَّها توثِّر سلبًا على النَّفس والعلاقات، مصدرها الشخصيَّات السامَّة - أجارنَا اللهُ وإيَّاكُم-. كما قد تدخلُ السُّموم الماديَّة إلى الجسد بجرعةٍ صغيرةٍ، فتترك أثرًا مُضرًّا، فإنَّ السُّموم النفسيَّة تتسلَّل عبر الحديث السلبيِّ المتكرِّر، أو الألفاظ السيِّئة، أو التَّلميحات غير المُريحة، وقد تتشكَّل على هيئة كلامٍ يكثر فيه لوم الآخرِين والتذمُّر من الأوضاع، والانشغال بما لا يملك المتحدِّث
وصلتني رسالة واتس أب، واحدة من بين الرَّسائل الكثيرة، استوقفتنِي؛ لما لمستُ فيها من عمقٍ، وددتُ مشاركتها معكم للتأمُّل. سودانيُّ من غرفة غسيل الكلى يكتبُ لكَ: سبعة دروس علَّمتني إيَّاها ماكينة الغسيلِ الكلويِّ. أنا أغسلُ كلى ثلاث مرَّات في الأسبوع. كثيرٌ من النَّاس عندما يروننِي مربوطًا بالماكينةِ لمدَّة أربع ساعات، يتألَّمُونَ لحالي، ويُشفقُونَ عليَّ. لكنَّ الحقيقة مختلفة؛ فهذه الماكينة علَّمتني دروسًا لم تكن مدرسةٌ ولا جامعةٌ قادرةً على تعليمي إيَّاها. الدرسُ الأوَّل: العافيةُ ليست مضمونةً.
«إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا»: حقيقةٌ نؤمنُ بها ونردِّدُها، غير أنَّ العبرة ليست في معرفتها فقط، بل في تنفيذ الأمر التالي: «فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا». هل اتِّخذنَاهُ عدوًّا بالفعل لا بالقول؟ هل نتجهَّز للتغلُّب عليه ونترصَّد له كما يترصَّد لنا هو بدون كللٍ أو مللٍ؟ معرفة العدو لا تكفي ما لم تصحبها يقظةٌ تكشف مداخله، وحراسةٌ تقوِّي مَوَاطن الضَّعف في النفس والبيت والمجتمع. في قوله تعالى: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ دعوةٌ إلى ألَّا نترك لهذا العدو مساحةً يعمل فيها بلا
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: قاعدة في اختيار الرجال وبناء المؤسسات، لا تحتاج منظومات العمل إلى دراسات استشارية للوصول إليها، بل إلى تطبيقها بصدق، خاصةً في زمن تشتد فيه المنافسة على الكفاءات القادرة على الإنجاز. القوة تبرز في الكفاءة والقدرة على الإنجاز: علمٌ، وخبرةٌ، ومهارةٌ، وحسن تقدير، وشجاعة في اتخاذ القرار ومواجهة التحديات. والأمانة تظهر في النزاهة والصدق والشفافية والمسؤولية في استخدام السلطة والموارد، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية. لا تعاني منظومات
في سورة التوبة، يبرز سؤالٌ جوهريٌّ: (أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْآخِرَةِ)؟ نزلت الآيةُ في سياق الحثِّ على الخروج في غزوة تبوك، والإنكار على مَن آثر الرَّاحة العاجلة على الواجب والمآل الأبقَى. كان ذلك عتابًا للمؤمنِينَ، فجوهرُ الابتلاء لم يكن في السَّفر وحده، بل في انكشاف ترتيب الأولويَّات. إنَّه ليس سؤالًا مُجرَّدًا، بل جرسُ تنبيهٍ... ليسأل الواحد منَّا نفسه: ماذا قدَّمتُ؟ ولأيِّ غايةٍ أعيشُ؟ التَّنبيه هنا لا يستلزم ازدراء الدُّنيا، فهي ساحةُ الاستخلاف والعمل، والدُّنيا ليست
ما الرابطُ بين القول الطيِّب والصِّراط؟ وردَ في التَّفسير أنَّ هذه الآية الكريمة تشيرُ إلى القرآن الكريم، وقول لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وإِلَى المكان الذي يحمدُ فيه أهلُ الجنَّة ربَّهم -عزَّ وجلَّ- على ما أحسن إليهم، وأنعم به وأسداه إليهم، وقِيل هو الطَّريقُ المستقيمُ في الدنيا. يأتي ذلك في سياق قرآنيٍّ في سورة الحجِّ، يعرضُ نعيم المؤمنِينَ في الآخرة، وما أعدَّه اللهُ لهم من جنَّات تجري من تحتها الأنهارُ، وأساور الذَّهب واللؤلؤ، ولباس الحرير. فحين تذكرُ الآياتُ النَّعيمَ الذي سيحصلُ عليه
مرَّ على النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- رجلٌ، فرأى الصَّحابةُ من قوَّتهِ ونشاطِهِ ما أثارَ إعجابَهم، فقالُوا: يَا رسولَ الله، لوْ كانَ هذَا في سَبيل الله! فأجابهُم النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بكلماتٍ تكشفُ سعةَ أُفقِ الجهادِ، فقالَ: «إنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلدِهِ صِغَارًا؛ فَهُو فِي سَبيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَينِ شَيخَينِ كَبيرَينِ؛ فَهُو فِي سَبيلِ اللهِ، وَإنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفسِهِ يعفُّهَا؛ فَهُو فِي سَبيلِ اللهِ، وإنْ كَانَ خَرَجَ
يبرزُ في قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، رسالةٌ عظيمةٌ، مكانتُها رفيعةٌ، ومضامينُها ساميةٌ، وبأسلوبٍ فريدٍ وبليغٍ. المُرسِل: ربُّ العزَّةِ والجَلَال سبحانَهُ وتعَالَى. الرَّسُولُ: سيِّدُ الخلقِ أجمعِينَ المبعوثُ رحمةً للعالمِينَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-. المُرسَل إليهم: نحنُ. كم من رسالةٍ بهذه الدَّرجة من الأهميَّة؟ وكم من رسالة بهذا الأسلوب والخصوصيَّة؟ ما مقدارُ الانتباه الذي تسترعيهِ هذه الرسالة كلَّما
تروي سورة البقرة مشهدًا بارزًا من حياة بني إسرائيل حين كانوا بقيادة طالوت في طريقهم لملاقاة جالوت وجنوده. لم يكن عبور النهر مجرَّد محطَّة جغرافيَّة في الرحلة، بل كان فاصلًا بين الصدق والتواني، وبين الإخلاص في الاتباع والتهاون في الطَّاعة. لقد أمر الله تعالى بني إسرائيل ألَّا يشرَبُوا مِنَ النَّهرِ إلَّا غرفةً باليدِ، اختبارًا لإرادتِهِم وصدقِهِم في السَّير خلفَ أوامرِهِ. كان النهر، وقد فاض بمياهه في لحظة عطش شديد، فتنةً كاشفةً لجوهر النفوس؛ إذ غلب الظمأ فتجاوزوا الحدَّ المأذون به {فَشَرِبُوا
الثقافة المؤسسيَّة، هي مجموعةُ المبادئ والقِيم والممارسات المشتركة، التي تُميِّز منظومةَ العمل، وتُوجِّه سلوكَ منسوبيها.. لكن، هل/ كيف تتأثَّر بيئة العمل بالسلوكيَّات الفرديَّة السلبيَّة؟. نستوحي هذا المقال من محتوى ندوة على الإنترنت، نظَّمتها مؤسَّسة «جارتنر» في شهر أكتوبر الماضي، تم خلالها تسليط الضوء على خطورة التَّغاضي عن السلوكيَّات الفرديَّة السلبيَّة، حتَّى وإنْ بدت في ظاهرها بسيطةً. من الأمثلة على السلوكيَّات المقصودة: - الشَّكوى المستمرَّة، والنَّقد دون المساهمة في تقديم الحلول؛ ممَّا
قد يستوقف الإنسان -أحيانًا- نص من آي الذِّكر الحكيم، فينفذ إلى أعماق فكره، وكأنَّه يتلقَّاه للمرة الأولى، وقد يقود حُسن تهيئة النَّفس والانتباه في لحظةٍ ما، إلى تحقيق حسن تلقِّي واستيعاب المعنى كما لم يحدث من قبل. {كَتَبَ اللهُ}!! ما ذلك الأمر العظيم، الذي كتبَهُ الله -عزَّ وجلَّ-؟ إنْ تمعَّنَّا في {كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}، نجد أنَّ الآية تستهل بإخبارنا أنَّ اللهَ -جلَّ جلالُهُ- قد {كَتَبَ} حقيقةً كونيَّةً بأنَّ تكون له ولرسلِهِ الغَلَبَة، وبصيغة
تمضي الـ24 ساعةً المكوَّن منها اليوم، في زحام من الأنشطة، وتنقضِي على ذلك المنوال أيامُ وسنون العُمر بين مسؤوليَّات العمل، والأسرة، واهتمامات متنوِّعة أُخْرى. ولكنْ: كيف نرتِّب أولويَّاتنا؟ هل نشغل ساعات يومنا بما نحن مسؤولُونَ عنه وسنؤثِّر عليه؟ أم أنَّنا نصرف جزءًا -ليس بالقليل- من أوقاتنا في الاهتمام بما هو ليس من مسؤوليَّاتنا ولن نؤثِّر فيه؟ كم من الذي ننشغل به، يقع ضمن نطاق قدرتنا على التأثير؟ وكم من الذي ننشغل به، ليس من مسؤوليَّاتنا ولنْ يغيِّر شيئًا في واقعنا، (وربَّما حتَّى من واقع
تاريخُ الأُمَّة المجيد زاخرٌ بالأحداث الهامَّة التي يجدر استلهام العِبَر منها، بداية من العهد النبويِّ لأعظم قائدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- مرورًا بالخلافة الرَّاشدة، والأزمنة المختلفة للولايات الإسلاميَّة. وذلك ضروريٌّ لفهم أصُول القيادة الرَّشيدة، وأسس تقدير المصلحة في الشأن العام، والموازنة بين المعطيات الواقعيَّة المختلفة. من أبرز تلك الأحداث التي شكَّلت مُنعطفًا هامًّا في مسار الدعوة الإسلاميَّة، صلح الحديبية، وما شهده من تفاعل الصَّحابة مع الأحداث التي رافقته. «ألَسْنَا علَى الحَقِّ
معصيةُ إبليس لم تكن في إنكار حقيقة أنَّ الله هو الرَّبُّ والخالقُ -سبحانه وتعالى- بل إنّه مُقِرٌّ بذلك، وقد خاطب المولى -عزَّ وجلَّ- بكلمة {رَبِّ}، وعندما أقسمَ فقد أقسمَ بعزَّة الله -سبحانه وتعالى- {فَبِعِزَّتِكَ}. لكنَّ معصيته هي في رفضه تنفيذ الأمر بالسُّجود متكبِّرًا ومعاندًا. كلمة «رَبِّ» في اللُّغة العربيَّة تعني السَّيد والمَالك، وذلك من أسماء اللهِ الحُسنَى، التي تدلُّ على عظمتِهِ وسلطانِهِ المطلق -عزَّ وجلَّ-. إنَّ استخدام إبليس للفظ {رَبِّ} -رغم عصيانه- يحملُ في طيَّاته تناقضًا
الرِّفقة الحَسَنة خيرُ معينٍ في السير على طريق النَّجاح، وتدفع صاحبها نحو معارج الكمال، بينما الصُّحبة السَّيئة تجر إلى مهاوي السُّقوط والضَّياع. ومعلومٌ أنَّ لاختيار الصحبة أثرًا بالغًا في صياغة شخصيَّة الفرد، وتحديد مساره، سواء في الدنيا، أو في الآخرة. فما المرءُ إلَّا صدى لجلسائهِ، وامتدادٌ لأخلاقِ رفاقهِ، والصَّديقُ مرآةٌ لصديقِهِ. كلمة (رفيق) تأتي مِن الرِفق، وهو إدخال اليُسر والأُنس والرَّاحة على المُرافق. فإذا كان الرَّفيق يُدخِل السَّكينة والأُنس على قلب مرافقه، فجديرٌ بنا أنْ نختار
إنَّه لإنسانٌ عظيمٌ ذلك الذي حظي بمعيَّة الله، ذي العزَّة والجلال، ومعيَّة رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-. إنَّه الصدِّيقُ، يقولُ للنبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وهما في الغار: (لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيهِ لَأَبْصَرَنَا)، فقَال له -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (مَا ظَنُّكَ يَا أبَا بَكْرٍ باثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا)؟. إنَّه الصدِّيقُ، الذي سيطرت محبَّة الله -عزَّ وجلَّ- ورسولِهِ على أحاسيسه وأفعالهِ.. أفضل الخلق إيمانًا وصِدقًا وفَضلًا وغيرةً وإنفاقًا في سبيل الله،
مَن يَبذر؟ ومَن يَحصد؟ ومَتى تتحقَّق النتائج؟ قاعدة السبَب والنَّتيجَة (Cause and Effect) تُعرِّف العلاقة التي تربط بين حدَثَين، يكون أحدهُما السبب الذي يؤدِّي إلى حدوث الآخر، الذي يُسمَّى النتيجة. وذلك من مقتضيات الفهم الإنسانيِّ للكون والحياة، حيث نُفسِّر -من خلالها- الظواهر والأحداث من حولنا. هل العلاقة بين السَّبب والنتيجة دائمًا واضحة ومباشرة كمعادلة رياضيَّة؟ مع التسليم بقاعدة السَّبب والنتيجة، إلَّا أنَّه ليس دومًا كلُّ جهدٍ يؤدِّي إلى النتيجة المرجوة. فكم من مجتهد بذر جهده في الأرض فلم
يقولُ الإمامُ الشافعيُّ -رحمه الله-: «كُلَّما أَدَّبَني الدَهرُ أَرانِي نَقصَ عَقلي». فالإمام الشافعي، بقدرهٍ «أدبًا وعلمًا»، يُبرز أهميَّة التَّأديب والتعلُّم المستمر، باعتبارهما من الركائز الأساسيَّة في بناء شخصيَّة الإنسان ونضجه. ويشير إلى أنَّ اكتساب الأدب نتيجة مباشرة للتجارب الحياتيَّة. إنَّ تأديب النفس لا يقتصر على مرحلة عمريَّة، أو طبقة اجتماعيَّة، بل هو ضرورة حياتيَّة مستمرَّة تلازم المرءَ منذُ صغرِه. فالتأديبُ، وطلبُ الأدبِ ليسا حكرًا على صغارِ السِّن، بل يرافقان الإنسان طوال مراحل