تمضي الـ24 ساعةً المكوَّن منها اليوم، في زحام من الأنشطة، وتنقضِي على ذلك المنوال أيامُ وسنون العُمر بين مسؤوليَّات العمل، والأسرة، واهتمامات متنوِّعة أُخْرى. ولكنْ: كيف نرتِّب أولويَّاتنا؟
هل نشغل ساعات يومنا بما نحن مسؤولُونَ عنه وسنؤثِّر عليه؟ أم أنَّنا نصرف جزءًا -ليس بالقليل- من أوقاتنا في الاهتمام بما هو ليس من مسؤوليَّاتنا ولن نؤثِّر فيه؟
كم من الذي ننشغل به، يقع ضمن نطاق قدرتنا على التأثير؟
وكم من الذي ننشغل به، ليس من مسؤوليَّاتنا ولنْ يغيِّر شيئًا في واقعنا، (وربَّما حتَّى من واقع غيرنا؟!).
يُوجد مفهومان أساسان في إدارة الوقت، وتوجيه الجهد: دائرة التأثير، ودائرة الاهتمام. فالأولى تشمل الأمور التي يملك الفردُ القدرةَ على إحداث تغيير فيها؛ وفقًا لمسؤوليَّاته في عمله، وأسرته، ومحيطه. أمَّا الثانية، فهي المدى الأوسع الذي يشمل كلَّ ما يسترعي انتباه الفرد ويتابعه، ويفكِّر فيه، وقد يمتدُّ إلى أمور ليست من مسؤوليَّاته ولا يملك السيطرةَ عليها، أو القدرة على تغييرها.
إنَّ وعيَ الفردِ لمفهوم دائرتَي التأثيرِ والاهتمامِ يساعده على ترتيب أولويَّاته، ومن ثَمَّ استثمار وقته وطاقاتِهِ فيما يُمكِّنه من النَّجاح في القيام بمسؤوليَّاته على الوجه المناسب. وهنا يكمن الفرق بين مَن يسعى لتحقيق أهدافه فعليًّا، ومَن يعيش على هامش الآخرِينَ، فيضيع بين دوامات الاهتمامات الزَّائفة.
وَمَا نَيلُ المَطَالِبِ بِالتَمَنِّي
وَلَكِنْ تُؤخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا
المُوَّفق والمُفلح (على المستوى المهنيِّ والشخصيِّ والعائليِّ والمجتمعيِّ) يعملُ على أنْ تتوافق دائرة اهتمامه مع دائرة تأثيره، أو -على الأقل- يحرص على تعظيم المساحة المشتركة بين الدائرتَين، بحيث يركِّز اهتمامه (وبالتالي جهده ووقته) على الأمور التي يستطيع التأثير فيها. وبالنتيجة يكون برنامجه اليوميُّ مليئًا بما هو نافعٌ، ويبتعد عن السفاسف التي لا طائل منها.
وفي المقابل، فإنَّ من يشغل نفسه في أمور هي خارج دائرة تأثيره، وليست من مسؤولياته، كمتابعة المشاهير، وتفاصيل حياتهم اليومية فيما يأكلون، ويلبسون، وكيف يغضبون ويفرحون؟... إلخ، فإنه يضيع وقته وعمره بثمن بخس.
ونستذكرُ هنا إرشاد الهادي البشير -عليهِ أزكَى الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسليمِ- «مِن حُسْنِ إِسْلامِ المَرِءِ تَركُهُ مَا لَا يَعْنِيه»، والتوجيه الإلهي الكريم بأنْ تكون اهتمامات المؤمن موجَّهةً دومًا للهدف الأسمَى، والغاية العُليا ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ونخصُّ الشبابَ -في عصر الاستهلاك الرقميِّ- بنصيحةِ أنْ يدركوا قيمة الوقت، فالانشغال بالتَّفاهات وما لا طائلَ منه، كمتابعة حياة الآخرِينَ، والانغماس في قضايا هامشيَّة، ما هو إلَّا إهدار لرأسمالِكَ... ورأسكَ ومالكَ. والنَّجاح مرهونٌ -بعد توفيق الله عزَّ وجلَّ- بالقدرة على توظيف الوقت والجهد في المجال الذي تستطيع التأثير فيه. والمُؤمن يلزمه أنْ يوجِّه ساعات عمره؛ لتحقيق الهدف الذي خلقه الله -عزَّ وجلَّ- من أجله.
باختصار: الوقتُ كالذَّهبِ إنْ لمْ تُدركْهُ ذَهَبَ.


