Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.محمد طلال سمسم

{أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}

A A
مَن يَبذر؟ ومَن يَحصد؟ ومَتى تتحقَّق النتائج؟

قاعدة السبَب والنَّتيجَة (Cause and Effect) تُعرِّف العلاقة التي تربط بين حدَثَين، يكون أحدهُما السبب الذي يؤدِّي إلى حدوث الآخر، الذي يُسمَّى النتيجة. وذلك من مقتضيات الفهم الإنسانيِّ للكون والحياة، حيث نُفسِّر -من خلالها- الظواهر والأحداث من حولنا.

هل العلاقة بين السَّبب والنتيجة دائمًا واضحة ومباشرة كمعادلة رياضيَّة؟

مع التسليم بقاعدة السَّبب والنتيجة، إلَّا أنَّه ليس دومًا كلُّ جهدٍ يؤدِّي إلى النتيجة المرجوة. فكم من مجتهد بذر جهده في الأرض فلم يجنِ النتيجة المرجوة، وفي المقابل كم من باذل رأى بركة سعيه تثمر فوق ما توقع. ليس المقام هنا للتوسُّع في آراء الفلاسفة حول السبب الغائي، والسبب الفاعل، أو العلِّيَّة والسَّببيَّة... إلخ. وإنَّما هي فرصة لتذكيرنا كمؤمنِينَ بأنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- يُجري نواميسه في الكون كما يشاء، وأنَّ إرادة الله تبقى فوق كلِّ الأسباب.

في تفسير الآية الكريمة {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}، يوضِّح الشيخ الشعراوي -يرحمه الله- دقَّة استخدام المصطلحات القرآنيَّة؛ إذ خصَّ الإنسان بمهمَّة «الحرث»، أي إعداد الأرض، وزرع البذور، أمَّا «الزَّرع» الذي يُمثِّل بدء حياة البذرة ونموُّها، فهو اختصاصٌ إلهيٌّ لا يقعُ ضمن قدرة الإنسان؛ ممَّا يُبرز أهميَّة الفصل بين بذل الجهد وتحقيق النتيجة، وضرورة الاعتراف بمساهمة كل طرف وفقَ قدراته وحدوده، والتأكيد بأنَّ الاعتماد على إرادة الله في تحصيل النتائج، لا يتناقض مع الالتزام ببذل الأسباب العلميَّة والعمليَّة المتاحة.

تقول حكمة أجنبيَّة: افعل ما بوسعك، ودع الباقي للسماء.

«إِذَا لَمْ يَكنْ عَـوْنٌ مِنَ اللهِ لِلفَتَى

فَأوَّلُ مَا يَجْنِي عَليهِ اجْتِهَادُهُ

وَإِنْ كَانَ عَونُ اللهِ لِلعَبدِ وَاصِلًا

تَأَتَّى لَهُ مِن كُلِّ شيءٍ مِدادُهُ»

أحدُنا يجتهدُ ويكدُّ، لكنَّه لا يملك وحده مقاليد الثمار. يظل التوفيقُ الإلهيُّ أساسًا لبلوغ الغايات المرجوَّة. وعلى نور الهدي النبويِّ الكريم -اللَّهمَّ صَلِّ وسَلَّم وباركْ علَى السِّراجِ المنيرِ- فإنَّ المُؤمنَ يَبذلُ جُهدَهُ فِي بَابِ «اعقلْهَا»، وفِي تحقيقِ النَّتيجةِ فإنَّ قلبَهُ يَطمَئنُ علَى تدبيرِ القادرِ -عزَّ وجلَّ- فِي بابِ «وتوكَّل».

[email protected]

@mtsimsim

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store