Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.محمد طلال سمسم

رسالة من غرفة غسيل الكلى

A A
وصلتني رسالة واتس أب، واحدة من بين الرَّسائل الكثيرة، استوقفتنِي؛ لما لمستُ فيها من عمقٍ، وددتُ مشاركتها معكم للتأمُّل.
سودانيُّ من غرفة غسيل الكلى يكتبُ لكَ: سبعة دروس علَّمتني إيَّاها ماكينة الغسيلِ الكلويِّ. أنا أغسلُ كلى ثلاث مرَّات في الأسبوع. كثيرٌ من النَّاس عندما يروننِي مربوطًا بالماكينةِ لمدَّة أربع ساعات، يتألَّمُونَ لحالي، ويُشفقُونَ عليَّ. لكنَّ الحقيقة مختلفة؛ فهذه الماكينة علَّمتني دروسًا لم تكن مدرسةٌ ولا جامعةٌ قادرةً على تعليمي إيَّاها.
الدرسُ الأوَّل: العافيةُ ليست مضمونةً. كنتُ أظنُّ أنَّ الصحَّة أمرٌ عاديٌّ، موجودٌ مثل الهواء، ولا نشعرُ بقيمته. حتَّى جاء اليوم الذي أدركتُ فيه أنَّ الجسد قد يعجزُ عن تنقية سمومه بنفسه، فعرفتُ أنَّ العافية ليست حقًا مكتسبًا، بل نعمةٌ من ربِّ العالمين، نستعيرها كل يوم، ونحتاجُ أنْ نحمد الله عليها في كل لحظةٍ.
الدرسُ الثَّاني: اليوم العاديُّ هو النِّعمة الحقيقيَّة. اليوم الذي لا ألمَ فيه، ولا مستشفَى، ولا تحاليل، ولا مواعيدَ علاج، ليس يومًا عاديًّا، بل عيدٌ. فالسعادةُ قد لا تكونُ في سفرٍ أو مالٍ أو ممتلكاتٍ؛ بل قد تكون في كوب ماءٍ باردٍ تشربه من غيرِ حساب، أو نومةٍ هادئةٍ بلا أنينٍ أو وجعٍ.
الدرسُ الثالثُ: المحنة تغربلُ النَّاس. عندما دخلتُ هذه التجربة، غاب كثيرُون، وفي المقابل اقترب أناسٌ لم أكن أتوقَّع منهم شيئًا. ماكينة الغسيل لا تنقِّي الدم فقط، بل تنقِّي أيضًا مَن حولك، وتكشفُ مَن يحبُّك بصدق، ومن كان مجرَّد رفيق وقت السِّعة.
الدرسُ الرابعُ: القوَّة لا تعني أنَّك لا تبكِي. كنتُ أظنُّ أنَّ الرجلَ القويَّ هو مَن يُخفي دموعه، لكنَّني في غرفة الغسيل بكيتُ كثيرًا، وتعلَّمتُ أنَّ القوَّة الحقيقيَّة لا تعني منع الدموع، بل أنْ تبكي، وتفرِّغ وجعَك، ثمَّ تمسح دموعك، وتواصل الطريق بابتسامةٍ ورضا.
الدرسُ الخامسُ: الزَّمنُ هو أغلى عملة. أقضي اثنتي عشرة ساعة في الأسبوع مع الماكينة. المالُ يمكن أنْ يُعوَّض، أمَّا الزَّمنُ والعمرُ إذا مضيا فلا يعودَان. لذلك، لا تضيِّع عمرَك في الزَّعل أو الحقدِ أو القِيل والقالِ؛ فكلُّ دقيقة تكون فيها معافًى وخارج المستشفى هي كنزٌ.
الدرسُ السادسُ: خططُك ليست أقوى من لُطف ربِّنا. كانت لديَّ أحلام وخطط كثيرة، لكنَّ ورقة تحليل واحدة غيَّرت كلَّ الحسابات. ومن يومها تعلَّمتُ أنْ أخطِّط وأسعَى وأتعبْ، لكنْ أُسلِّم أمري كلَّه للهِ؛ فالخير فيما اختاره اللهُ، والرزقُ والمقاديرُ بيدهِ سبحانَه.
الدرسُ السابعُ: الأملُ ليس كلامًا، بل تفاصيل صغيرة. الأملُ بالنسبة لي هو أنْ تضيء الماكينة باللَّون الأخضر، وأنْ تدخل الإبرة بسهولةٍ، وأنْ يبتسم الطبيبُ ويقول: تحاليلُك اليوم مطمئنة. الأملُ تفاصيل صغيرة، لكنَّها تجعل الإنسانَ يبدأ حياته من جديد كل يوم.
إنْ كنت اليوم معافى فاحمد الله، وإنْ كان والداك موجودين فاذهب وسلم عليهما، وإنْ كان لديك حلم مؤجل فابدأه، وإنْ كان يومك عاديًّا فاعلم أنَّ هناك من يتمنى أنْ يعيش يومًا عاديًّا مثله... انتهى.
اللَّهُمَّ أرزقنَا شكرَك على الوجهِ الذي يُرضيك عنَّا.
@mtsimsim
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store