Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.محمد طلال سمسم

الثقافة المؤسسة.. والسلوكيات الفردية

A A
الثقافة المؤسسيَّة، هي مجموعةُ المبادئ والقِيم والممارسات المشتركة، التي تُميِّز منظومةَ العمل، وتُوجِّه سلوكَ منسوبيها.. لكن، هل/ كيف تتأثَّر بيئة العمل بالسلوكيَّات الفرديَّة السلبيَّة؟.

نستوحي هذا المقال من محتوى ندوة على الإنترنت، نظَّمتها مؤسَّسة «جارتنر» في شهر أكتوبر الماضي، تم خلالها تسليط الضوء على خطورة التَّغاضي عن السلوكيَّات الفرديَّة السلبيَّة، حتَّى وإنْ بدت في ظاهرها بسيطةً. من الأمثلة على السلوكيَّات المقصودة:

- الشَّكوى المستمرَّة، والنَّقد دون المساهمة في تقديم الحلول؛ ممَّا يؤدِّي إلى انتشار الإحباط والتذمُّر.

- مداومة البعض على اختلاق أعذار لتبرير عدم إتمام المهام؛ ممَّا يعرقل سير العمل.

- قيام بعض المديرِينَ والموظَّفِينَ بنسب جهود غيرهم لأنفسهم؛ ممَّا يؤدِّي إلى الإحباط، ويثبِّط عزيمة المتميِّزِينَ.

- التواصلُ السلبيُّ، وتَعَالِي البعض أثناء النقاشات، وتبنِّي أسلوب الهجوم الشخصيِّ؛ ممَّا يخلقُ جوًّا من التوتُّر، ويضعف التعاون بين الزُّملاء. - الاعتماد المُفرط على الرُّجوع إلى المدير لأخذ التَّوجيه في كلِّ صغيرة وكبيرة؛ ممَّا يُقلِّل من روح المبادرة، ويحدُّ من استقلاليَّة الموظَّفِينَ. - التَّقليل من شأن الأفكار الجديدة؛ ممَّا يحدُّ من فرص التَّحسين المستمر. - التَّأخير المتكرِّر، وعدم الانضباط؛ ممَّا يربك جدول الأعمال، ويعطِّل إنجاز المهام.

- الإفراط في السَّعي للكمال على حساب إنجاز المهام ضمن الوقت اللازم؛ ممَّا يؤدِّي إلى التَّسويف.

- غموض الأدوار، وضعف المحاسبة؛ ممَّا يؤدِّي إلى انخفاض الالتزام. إن إهمال معالجة السلوكيات السلبية الفردية، يبعث برسائل ضمنية، قد تشجع آخرين على تكرارها، ومن ثم فإنها تنتشر تدريجيًّا، وتتحول إلى نماذج يقتدى بها، فالسلوكُ السلبيُّ الذي يُقابل بالصَّمت، أو التَّجاهل، يُمثِّل بذرةً قد تنمو وتتعاظم؛ لتشكِّل عائقًا أمام التقدُّم، وتؤدِّي تدريجيًّا إلى تدهور الأداء، وغياب روح المبادرة.

ويجدر التنويه إلى أنَّ البعض قد يعتقد بأنَّ التَّسامح مع التصرُّفات السلبيَّة (المتكرِّرة) يُعزِّز الأُلفة، ويُقلِّل من حدَّة الخلافات، غير أنَّ التجارب الواقعيَّة تؤكِّد أنَّ التَّهاون المستمر في مثل تلك الحالات، يُرسِّخ العادات السلبيَّة، ويصيب المتميِّزِينَ بالإحباط، بل ويقوِّض روح الانتماء والمبادرة لدى الموظَّفِينَ.

تقع على عاتق القائد مسؤوليَّة أساسيَّة في إيقاف تداعيات السلوكيَّات السلبيَّة الفرديَّة، وتعزيز القيم الإيجابيَّة الجماعيَّة. فالقائد الناجح فعَّال ومُبادر، يُنصِت باهتمامٍ، ويشجِّع على طرح الأسئلة، ويُفوِّض الصلاحيَّات، ويُعزِّز الشفافيَّة في التَّواصل... ويقدِّر الأفكار والمبادرات الشُّجاعة؛ لأنَّ الموظَّف قد يتردَّد في تقديم فكرة مبتكرة؛ خوفًا من الفشل، أو الخروج عن المألوف؛ لذلك على القائد دعم بناء بيئة آمنة محفِّزة على التجربة والتعلُّم.

ويُذكر في هذا السياق، بأنَّ العديد من المؤسَّسات تسعى إلى صياغة ميثاق سلوكيٍّ واضحٍ وصارمٍ؛ يُحدِّد القِيم والمبادئ الجوهريَّة، ويبيِّن العواقب المترتِّبة على تجاوزها. إلَّا أنَّ فاعلية هذا الميثاق لا تتحقَّق إلَّا بالالتزام الجماعيِّ، والتَّطبيق العمليِّ من قِبل الجميع؛ ليصبح معيارًا حقيقيًّا يوجِّه سلوك كلِّ فرد في منظومة العمل، ويتجاوز كونه نصًّا محبوكًا... وحبرًا على ورقٍ.

ونختمُ بالتَّذكير أنَّ «معظم النَّارِ من مُستصغَر الشَّرر»، ونستذكرُ قولَ المولى -عزَّ وجلَّ-: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، فلكلِّ سلوك، مهما بدا ضئيلًا، أثره على الفرد والمجتمع.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store