تاريخُ الأُمَّة المجيد زاخرٌ بالأحداث الهامَّة التي يجدر استلهام العِبَر منها، بداية من العهد النبويِّ لأعظم قائدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- مرورًا بالخلافة الرَّاشدة، والأزمنة المختلفة للولايات الإسلاميَّة. وذلك ضروريٌّ لفهم أصُول القيادة الرَّشيدة، وأسس تقدير المصلحة في الشأن العام، والموازنة بين المعطيات الواقعيَّة المختلفة.
من أبرز تلك الأحداث التي شكَّلت مُنعطفًا هامًّا في مسار الدعوة الإسلاميَّة، صلح الحديبية، وما شهده من تفاعل الصَّحابة مع الأحداث التي رافقته. «ألَسْنَا علَى الحَقِّ وعَدُوُّنَا علَى البَاطِلِ؟».
«فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا إذًا؟».
في موقفٍ شديد الحساسيَّة، تساءَل سيِّدُنا عُمر بن الخطاب -رَضِيَ اللهُ عنهُ- معبِّرًا عن صعوبة استيعاب الصُّلح بتلك الشروط، في ظلِّ ما تضمَّنه، في الظَّاهر، من تنازلات كثيرة. ومع إدراك أنَّ موقف الصَّحابة -رضوانُ اللهِ عليهِم جميعًا- ينطلقُ من حرصهم على الدِّين، وشدَّة غِيرتهم عليه، لكنَّه في الوقت ذاته، يُوضِّح أنَّ القائد قد يرَى أبعادًا مختلفةً للموقف عمَّا يراهُ الآخرُونَ ممَّن قد يكونُونَ - علاوةً على ذلك- متأثِّرين بالعاطفةِ والحماسةِ أكثر من اللازم. لقد كانَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في أحداث الحديبية المختلفة، ينظر بعين القائد الحكيم، إلى واقع وحال المسلمِينَ، وقوَّة قريش، وأولويَّات الدَّعوة، والمصلحة المرجوَّة من هُدنةٍ تُتيح للمسلمِينَ استجماع قُوَّتهم ونَشر الإسلام. وقد بيَّنت الأحداثُ اللاحقةُ كيف أنَّ صُلحَ الحديبية كان بالفعل نقطةَ تحوُّلٍ إيجابيَّةً لترسيخِ الدَّعوة، وتوسيع دائرة التأثير، فهو الفتحُ المُبينُ الذي قالَ الله -عزَّ وجلَّ- فيه: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}، حيثُ أتاحَ للمسلمِينَ فترةً من السلم، انتشر فيها الإسلامُ بين القبائل، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا. فرُبَّ قرارٍ في عيونِ البعضِ هوانُ.. لكنَّه في حقيقتهِ عزٌّ وتمكينٌ.
الخلاصة، إنَّ تقدير الأصلح للعامَّة أمر دقيق، وبالغ الأهميَّة، لا يُستهان به، أو يُترك بسهولة لآراء وتقديرات العامَّة، أو من هم خارج موقع المسؤولية، بل هو مناط بولي الأمر بموجب الاطِّلاع على ما يعرفه العامَّة وما لا يعرفونه (وهو الأكثر والأهم)، وتقدير المصالح والمخاطر قصيرة وبعيدة المدى، والأولويات على مستويات متعدِّدة (اجتماعيَّة ودينيَّة واقتصاديَّة... إلخ)، وأخذًا بعين الاعتبار، موازين العلاقات المختلفة الداخليَّة والخارجيَّة (مع القريب والبعيد). ومن هذا يُفهم ما ورد عن الإمام أحمد -رحمه الله-: «لَوْ أعلمُ أنَّ لِي دعوةُ مستجابةً لَصَرفتُهَا للسُّلطانِ»، فالدُّعاء لوليِّ الأمر هو دعاءٌ للأُمَّة؛ لأنَّ صلاحَهُ صلاحٌ لها.
نسألُ اللهَ أنْ يوفِّقَ وَليَّ أمرِنَا خادمَ الحرمَينِ الشريفَينِ، ووليَّ عهدِهِ الأمينَ، ويرفعَ بهمَا رايةَ الحقِّ والخيرِ، ويبعدَ عَن بلادِنَا وعَن المسلمِينَ شرَّ الأشرارِ، وكيدَ الكائدِينَ، ويرزقنَا حُسنَ العملِ بهدِي المُصطَفَى -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-.


