كتاب

مدير من المريخ!!

د. أحمد أسعد خليل 05 أكتوبر 2026 22:49 3 دقائق قراءة
كان الفلكيُّون ينظرُون إلى كوكب المرِّيخ؛ فيرونَ فيه بقعًا حمراءَ غامضةً، فظنُّوها براكينَ خامدةً، أو محيطاتٍ من الصدأ، لكنَّهم لو أطالُوا النَّظر بأدوات العصر الحديث، لاكتشفُوا الحقيقة المُذهلة، بأنَّ المرِّيخ ليس سوى المحطَّة التدريبيّة الأُولى لجيل كامل من القيادات، التي تهبط علينا فجأةً بملابسها اللَّامعة، وأجنداتِها المصنوعةِ من بلاستيكٍ عالي الجودةِ، لتكتشف أنَّ الأرض مليئةٌ بكائناتٍ غريبةٍ تُدعى الموظَّفون.
يبدأ الهبوطُ -عادةً- باجتماع استكشافيٍّ يُعقد في الساعة الثامنة صباحًا، وهو توقيتٌ مقدَّس في الفضاء المريخيِّ، ولكنَّه يوافقُ تمامًا ذروة ازدحام المرور ونضوب القهوة الأُولى، حيث يدخل المديرُ المريخيُّ القاعة بخطواتٍ واثقةٍ ومنتشيًا، ملوِّحًا بـخريطة طريقٍ متعدِّدة الأبعاد، لا يهمُّ إن كانت الشركة تعملُ في توريد القرطاسيَّة، أو في هندسة الجسور، فالمهم هو إطلاق المصطلحات الرنَّانة فورًا، عن الرشاقةِ التنظيميَّةِ.
الموظَّفُ الأرضيُّ المسكينُ، البسيطُ في تطلُّعاته، والذي يحلم فقط بإنهاء معاملةٍ، أو الردِّ على بريدٍ إلكترونيٍّ عالقٍ منذ الثلاثاء الماضي، ينظرُ إلى هذا المخلوق القادم من المجرَّة البعيدة بذهولٍ، فهو لا يدركُ أنَّ الإدارة من المرِّيخ تعتمدُ على قاعدة أساسيّة، «كلَّما كانت الفكرةُ غامضةً وغيرَ قابلةٍ للتَّنفيذِ، بَدتْ أكثرَ إستراتيجيَّةً وعمقًا».
على المرِّيخ، يُعتقد أنَّ الاجتماعات هي الغاية وليست الوسيلة، وهناك تُعقد الاجتماعاتُ لمناقشة سبب عقد الاجتماع السَّابق، وتشكيل لجنةٍ عُليا لتقييم مخرجات الاجتماع المقبل، وإذا حدث وسأل موظَّفٌ ما هو الهدفُ المحدَّدُ لهذا الاجتماع؟، فسوف يُنظر إليه ككائنٍ متخلِّفِ حضاريًّا، لا يملكُ الرُّؤية الشَّاملة للكون، ويفتقر إلى «عقليَّة النموِّ، والإجابة المريخيَّة الجاهزة لا تأتي أبدًا لحلِّ المشكلة، بل تتفرَّع إلى ثلاثة اجتماعاتٍ فرعيَّةٍ أُخْرى، وتكليف أربعة مستشارِين لدراسة جدوَى توضيحِ الهدفِ».
في كوكب الأرض، يُقَاس العملُ بالنتائج، وبإنجاز المعاملات، ورضا العملاء، أمَّا في المرِّيخ، فالإنجازُ يُقَاس بعدد الشرائح في العرض التقديميِّ، ووزن المجلَّدات الورقيَّة التي تُوضع على الطاولة، وحجم الخط المستخدم في كتابة التَّوصيات، فالمديرُ المريخيُّ لا يقرأ المحتوى، بل يزنُ التقرير بكفِّه؛ فإذَا كان ثقيلًا، أشاد بالكفاءة العالية، وإذا كان خفيفًا، اعتبرَ ذلك دليلًا قاطعًا على التَّقصير الكونيِّ.
لا بُدَّ من التوقُّف عند طقوس البريد الإلكترونيِّ الجماعيِّ، أو حرب الردود المفتوحة، فالمديرُ المريخيُّ يؤمنُ بأنَّ بقاءه على قيد الحياة المؤسسيَّة، يعتمدُ على إبقاء اسمه في خانة النسخ لجميع رسائل الشركة، حتَّى تلك المتعلِّقة بتعطُّل مكيِّف الممر، أو توفُّر فطائر الجِبن في الكافتيريا، وهو يعشقُ استخدام عباراتٍ حاسمةٍ، دون أنْ يوضِّح أبدًا ما هو المطلوب، تاركًا الموظَّفين في حيرةٍ وجوديَّةٍ عميقةٍ، هل يهربُون من المكتب؟ أم يشترُون الفطائر؟ أم يُعيدُون صياغة الهيكل التنظيمي للشركة؟.
إنَّ المفارقة العجيبة في الإدارة من المرِّيخ، هي هذا الانفصال التام عن الجاذبيَّة الواقعيَّة، فالمديرُ هناك يرى الأرقامَ مجرَّد خطوط بيانيَّة ترتفع وتنخفض على شاشات ذكيَّة، بينما يرى الموظَّفُون الأرضيُّون الأرقام كأرصدةٍ مهددةٍ، ومواعيد تسليم ضاغطة، ومديرِين يطلبُون المستحيلَ قبل استراحةِ الغداء.
وفي النهاية، يغادر الموظف الأرضي مكتبه مع غروبُ الشمس، محمَّلًا بتوصيات مريخيَّة لا تُعدُّ ولا تُحصى، باحثًا عن فنجان قهوة حقيقيٍّ يعيده إلى كوكبه، ومردِّدًا في سرِّه ما أجمل الأرض لو خلت من رواد الفضاء الإداريين!!.

أخبار ذات صلة