لا يُعدُّ تكريم المعلِّمين في مجتمعاتنا العربيَّة حدثًا غريبًا؛ فالمعلّمون محل تقدير الجميع، وكلمات الشكر لهم تتكرَّر في مناسبات كثيرة، وهناك العديد من الجوائز التي تتسابق في هذا المجال من خلال لجان متخصِّصة لها معاييرها ونظمها الخاصَّة.. لكن أنْ يكون للأهالي والأسر دور رئيس في ترشيح المعلم المتميز، وتقييم أثره التعليمي والتربوي، وأن تحمل الجائزة اسمهم، فهذا ما يمنح جائزة أهالي المدينة المنورة معنى متفرِّدًا؛ فهي مرآة لوعيهم بقيمة معلِّميهم، ومشاركة مباشرة منهم في تحفيز العملية التربوية بالمنطقة. ففي جائزة أهالي المدينة المنوَّرة للمعلم المتميز، لا يقتصر دور الأهالي على الجلوس في مقاعد الحضور انتظارًا لإعلان أسماء الفائزين؛ بل هم شركاء فعليُّون في ترشيح المعلِّمين وتقييم أثرهم، حيث تمثل الأسرة 40٪ من التقييم، وكأنَّ الجائزة تقول إنَّ أثر المعلم لا يُقاس بما يراه المسؤولون وحدهم، بل بما يلمسه الطالب وأسرته والمجتمع أيضًا. انطلاق الجائزة من هذه الرؤية المشتركة بين المؤسسة والمجتمع؛ بوصف المعلم ركيزة للتحوُّل التعليميِّ والتربويِّ، وامتداد أثره من الفصل إلى بناء المجتمع وتشكيل وعي الأجيال، هو ما يجعلها تسعى إلى تعزيز ثقافة التميز والإبداع في المجتمع، وإبراز النماذج والممارسات التعليميَّة النوعيَّة، مستندةً إلى مكانة المدينة العلميَّة والتاريخيَّة، وتوجهات وزارة التعليم، ومستهدَفات رُؤية المملكة 2030، وأهداف التنمية المستدامة. هذه التشاركية هي ما يلفت النظر فعلًا في الجائزة؛ كونها تفتح للمجتمع بابًا للمساهمة في اكتشاف النماذج التعليميَّة المتميزة.. فالمعلِّم الجيد قد يغيِّر علاقة طالب بالعمليّة التعليميَّة بأكملها، أو يكتشف موهبة كادت تمرّ عابرة، أو يعيد إلى طالب ثقته بقدرته.. وأهل الطالب هم أقدر من يلمس هذا الأثر. ويبقى السند الأكبر لهذه الجائزة النوعيَّة؛ هو رعاية واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنوَّرة ورئيس مجلس أمناء مؤسسة الجائزة، المسؤول المؤمن بأنَّ التعليم هو أساس التنمية الشاملة والمستدامة، وأن تقدير المعلم والاحتفاء بأثره؛ جزء من العناية بمستقبل التعليم في المنطقة. في حفل الجائزة، يصعد الفائزون إلى منصَّة التكريم تقديرًا لتجاربهم التعليميَّة المتميِّزة.. لكن أثر الجائزة لا يقف عندهم؛ فعرض تجاربهم والاحتفاء بها يمنح بقية المعلِّمين دافعًا للتطوير والابتكار، ويجعل التميز في القطاع التعليمي طموحًا يتسع للجميع.. ولا يعني عدم فوز معلم أنَّ جهوده بلا أثر؛ فما قدّمه من تجارب، وما غرسه في طلابه من علم وقيم ووعي، يمتد أثره من الفصل إلى الأسرة والمجتمع.. وهنا تظهر الشراكة التي تسعى إليها الجائزة، رعاية مؤسسيَّة تدعم التميز، وأهالي يشاركون في اكتشافه وتقديره. المجتمع الذي يكرّم معلميه بوعي ومصداقية، يشاركهم مسؤولية بناء المستقبل.