* يرى بعض النَّاس في رجال الأعمال والمال آيةً كُبْرى في المكانة المجتمعيَّة، وآيةً كُبْرى واجبة التَّقدير والاحترام، وما يصحبها من أمارات العُلُوِّ والسُّؤددِ. * هذا حسنٌ جيدٌ من جانب، ولكنَّه سيئٌ جدًّا من جانب آخر. * حسنٌ وممتازٌ لمن بَسَط يده لأصحاب الحاجات، ومدَّها لخدمات المجتمع، بإعمار المدارس، وبناء المستشفيات، وإنشاء المراكز البحثيَّة، والمعامل المخبريَّة، والمبادرات الوطنيَّة والتنمويَّة. * وسيئٌ جدًّا لمن (لوَى) يديه و(غَلَّها) عن الوالدين والأقربين، و(عَطََفها) عن الفقراء والمساكين، و(عَزَلَها) عن صروف الخدمات المجتمعيَّة، و(رَهَنها) نحو سُبل الاستعراض والتَّمايل والتَّرزز، وصور التَّباهي المائع، والهياط الماسخ، مع (زمرة) تروِّج لهم بالأخبار، والإعلان، والتَّصوير، من عديمي الكرامة والرُّجولة، ومغسولي الوجوه بكلِّ آسنٍ من سيئ الأوساخ والأسقام والأدران والعِلَل..!! * وهذا النوع (السيئُ)؛ يذكِّرنِي بقصَّة الشاعر العظيم أبي الطيب المتنبي، كما هو حال الكثير في هذه الأيام، مع بائع البطيخ الأحمق. * في كتاب (مع المتنبي)، وفي غيره من الكُتب، يقول طه حسين، مع شيءٍ من التصرُّف: في أثناء إقامة المتنبي في بغداد، رأي الفتى -يقصد المتنبي- من غير شكٍّ ما لم يره في الكوفة، ولا في البادية من مظاهر التَّرف وألوان النَّعيم، وذات مرَّة كان يمشي في الأسواق، فصادف أنْ أعجبه بطيخًا؛ لأنَّه كان باكورًا، ومعه خمسة دراهم، فقَاسَم فيه صاحبه حتَّى عرض عليه دراهمه الخمسة كاملةً، ولكنَّ صاحب البطيخ أَبَى، فوقف المتنبي حزينًا ينظرُ إلى البطيخ وإلى الدراهم، وإذا بتاجرٍ يخرجُ من خانٍ مقابل لبائع البطيخ، فينهض البائع إليه (مُتملِّقًا) مبالغًا في (التملًّق)، ويدعُو له، ويعرضُ عليه بطيخه، والتَّاجر يأبَى ويتمنع، والرجلُ= (التَّاجر) يهبطُ بالثَّمن شيئًا فشيئًا حتَّى سمح التَّاجر، وطابت نفسه عن شراء هذا البطيخ بدرهمَين اثنين، وأمر البائع أنْ يحمله إلى داره، ففعل، فلمَّا انصرف التَّاجرُ أظهر المتنبي عجبَه لصاحب البطيخ من هذه (الحماقة)، التي حملته على أنْ يرفض خمسة دراهم، كان يعرضها عليه، ويقبل من (التَّاجر) بدرهمين، ولم تطب نفسه عنهما إلَّا بعد المساومة والممانعة، فقال له البائع: ويْلك! إنَّه يملك مئتي ألف دينارٍ..!!