كتاب

مدير من المريخ.. وموظف من زحل

د. أحمد أسعد خليل 12 أكتوبر 2026 22:08 3 دقائق قراءة
إذا أردتَ يومًا السَّفر عبر الفضاء، دون الحاجة إلى وكالة «ناسا»، أو صواريخ «سبيس إكس»، فكلُّ ما عليك فعله، هو الدُّخول إلى أيِّ قاعة اجتماعات تقليديَّة، في أيِّ منظَّمة أصابها التكلُّسُ الإداريُّ، فهناك على طاولة الاجتماعات، ستشهدُ أرقى أنواع السَّفر بين الكواكب، حيث يعيشُ المديرُ في مدار المرِّيخ السَّحيق، بينما يهيم الموظَّفُ في حلقات كوكب زُحل الغازيَّة الباردة، والفجوة بينهما ليست مجرَّد اختلاف في وجهات النَّظر، بل هي فجوة ضوئيَّة كاملة تفصل بين كائنات تأكلُ الأهداف الإستراتيجيَّة على الغداء، وأُخْرى تحاولُ -ببساطة- النجاة من ثُقبٍ أسودَ يُسمَّى تعديل التَّقارير قبل نهاية الدَّوام.
فالمديرُ المريخيُّ، كائنٌ فضائيٌّ تم تصنيعُه بعنايةٍ في مخابر الإدارة التقليديَّة، وُلِد وفي فمه ملعقةٌ من المصطلحات الرنَّانة مثل: تحسين الكفاءة التشغيليَّة، والتَّفكير خارج الصُّندوق، رغم أنَّه لا يتحمَّل الخروج عن الصُّندوق حتَّى لو كان هناك حريقٌ، هذا المديرُ يرتدي بدلةَ الفضاءِ المرِّيخيَّة المصنوعة من الغُرور المُطلق، ويعتقدُ جازمًا أنَّ الكوكب يدورُ حول مكتبه المُحاط بالتَّقارير الورقيَّة التي لا يقرؤها أحدٌ، وبالنسبة له، الموظَّفُ ليس إنسانًا من لحمٍ ودمٍ، بل هو بِكْسِل في شاشة الإكسل الخاصَّة بتحقيق الأرقام القياسيَّة، كائنٌ بيولوجيٌّ وُجِد لسببٍ واحدٍ فقط هو تحويلُ القهوة إلى أوراقٍ موقَّعةٍ. إذا حدث ومرَّ المرِّيخيُّ بمكتبك، فلا تخدعك ابتسامتُه الصَّفراء، فهو لا يرى وجهَك، بل يرى النِّسبة المئويَّة لإنجاز المهمَّة، ويدخل المكاتبَ صائحًا بعبارتِهِ الشَّهيرة: أين نحنُ من الخطَّة؟، كأنَّ الشركة على وشك الإطلاقِ إلى الفضاء الخارجيِّ في غضون دقائق، بينما المشكلة الحقيقيَّة أنَّ آلة تصوير المُستندات بلا ورقٍ.
في المقابل، وعلَى بُعد ملايين الأميال، يعيشُ الموظَّفُ الزُّحليُّ، كائنًا فضائيًّا هادئًا، هائمًا، محاطًا بحلقات من خيبةِ الأمل المُتراكمة، وقرونٍ من البرود المهنيِّ، فالزُّحليُّ لا يعنيه صراخُ المرِّيخيِّين، ولا مؤشِّرات الأداء الحسَّاسة؛ فهو يرى العالم من خلال شاشةِ حاسوبٍ تائهةٍ، وعبوة قهوة باردة، وقناعةٍ عميقةٍ بأنَّ ما لا يُنجز اليوم، يمكن تأجيلُه إلى الأبد، دون أنْ ينتهي العالم، ويمتلكُ قدرةً خارقةً على الصَّمت التأمُّليِّ، فعندما يوبِّخه المديرُ المرِّيخيُّ بمحاضرةٍ ناريَّةٍ عن الولاءِ المؤسسيِّ، ورُوح الفريقِ، تراه يهزُّ رأسه بإيجابٍ إيقاعيٍّ يشبه الدُّمى المتحرِّكة في سيَّارات الأجرة، بينما عقله يسبحُ في المجرَّة السَّابعة مفكِّرًا في صنف الغداء، أو طريقة الهُروب من اجتماع قبل نهاية الدَّوام، وإنَّه لا يُعادي الإدارة، بل يعاملها كظاهرةٍ طبيعيَّةٍ مزعجةٍ مثل المطر الحمضيِّ، أو الزلازل، شيء تتعامل معه بالصَّبر وتنتظر حتَّى يمر.
تصلُ الكوميديا السَّوداء ذروتها، عندما يلتقِي الكوكبَان في غرفة الاجتماعات الأسبوعيَّة، ويفتح المديرُ المرِّيخيُّ رادارَه الفضائيَّ ويبدأ في قصفِ الحضورِ بقذائفِ التحفيزِ الوهميِّ، نحن لا نعمل لنعيش، نحن نعمل لنصنع التَّاريخ، فيسود صمتٌ ثقيلٌ يشبه صمتَ الفضاء السَّحيق، يقطعُه صوتُ تنفُّس الموظَّف الزُّحليِّ وهو يحاولُ إخفاء تثاؤبٍ عميقٍ، ثم يسأل المرِّيخيُّ: مَن لديه اقتراحاتٌ إبداعيَّةٌ لتطوير العمل؟ فيرتجفُ الجميعُ؛ خوفًا من أنْ يُفسَّر الصَّمت على أنَّه غباءٌ، أو الأسوأ، يُكلف صاحب المقترح بتنفيذه، وهنا يبرزُ الزُّحليُّ الذي تعلَّم بعد سنوات من الخبرة الفضائيَّة أنَّ أفضل إستراتيجية للبقاء هي إطلاق جملةٍ مطاطيَّةٍ مبهمةٍ لا تضرُّ ولا تنفعُ مثل: نحنُ بحاجة إلى دراسةِ أثر المتغيِّرات البيئيَّة على كفاءة المُخرجات، وهي عباراتٌ بليغةٌ في لغتها، صفريَّةٌ في مضمونِها، لكنَّها تكفي لإسكات المرِّيخيِّ، وجعله يهز رأسه إعجابًا بـالعمق الإستراتيجيِّ للموظَّف.
أمَّا المعركةُ الأزلية بينهما، فهي معركة الحضور والانصراف، بالنسبة للمريخي، العمل لا ينتهي بانتهاء الساعات الرسمية؛ فالرجل المريخي لا ينام، بل يشحن طاقته من تقارير الأداء المسائية، أما الزحلي، فله تقويم فلكي خاص به، يبدأ العد التنازلي لديه قبل موعد الانصراف بساعتين، حيث تتحوَّل أنامله على لوحة المفاتيح إلى حركةٍ أشبه بعزف البيانو السَّريع؛ استعدادًا للانقضاض على باب الخروج، فور دقِّ جرس النِّهاية، وكأنَّه هاربٌ من سجن الكاتراز.
(مديرٌ يظنُّ أنَّه يقودُ مركبةً فضائيَّةً، وموظَّفٌ يحاولُ ألَّا يفقدَ عقلَهُ في الجاذبيَّةِ الصفريَّةِ).

أخبار ذات صلة