منتدى

الشعب السعودي.. عطاءٌ يجبر القلوب ويصنع الأمل

هناء الهجاري 17 أكتوبر 2026 19:11 3 دقائق قراءة
وأنا أتصفَّحُ مواقع التواصل الاجتماعيِّ، استوقفتنِي قصَّة سيِّدة سعوديَّة هزَّت مشاعرِي، وأدمعت عينِي. لم يكن وقعُ قصَّتها في نفسِي؛ بسبب ما عاشتهُ من ألمٍ ومعاناةٍ هي وأبناؤها مع المرضِ فحسب، بل لما لمستُه في حديثها من قوَّة إيمانٍ بالله، وصبرٍ على قضائِهِ وقدرِهِ، ورضا يعلِّمنا أنَّ الإنسان قد يحملُ في قلبه من اليقينِ مَا يعينه على مواجهةِ أشد الابتلاءاتِ.
كانت تحكِي رحلتهَا مع المرضِ بصبرٍ يستحقُّ التأمُّل، وكأنَّها تقدِّم لنا درسًا في الثَّبات والاحتسابِ، وتذكِّرنا بأنَّ الإيمان ليس كلماتٍ تُقال في أوقات الرَّاحة، بل يقين يتجلَّى حين تضيق الحياة وتشتدُّ المحنُ. وفي قصَّتها رأيتُ أمًّا تواجهُ أوجاعها، وتحمل همَّ أبنائها، وتستمدُّ من إيمانها باللهِ قوةً تعينها على مواصلة الطَّريق، فنسألُ اللهَ أنْ يكتبَ أجرَها، ويجبرَ خاطرَها، ويمنَّ عليهَا وعلَى أبنائِها بالشفاءِ والعافيةِ.
لكنْ ما زادَ هذه القصَّة أثرًا في نفسِي، هو ما رأيتُه من تفاعلٍ إنسانيٍّ واسعٍ، حين تحوَّلت معاناة هذه الأسرة إلى مساحةٍ للعطاءِ والتكاتف، وأصبح الألمُ الذي تعيشُه أمُّ وأبناؤها بابًا للخير، ومناسبةً تجلَّت فيها شهامةُ أبناء هذا الوطن، وحرصهم على الوقوف إلى جانب المحتاجين.
وهنا حضرتنِي حقيقةٌ أؤمنُ بها، وهي أنَّ الشعب السعودي لا يُقاس عطاؤه بما يملك من مالٍ، بل بما يحمله من قيمٍ، وما يبذله من مواقفَ، وما يظهره من نخوةٍ حين يحتاج أحدُ أبناء مجتمعه إلى مَن يسانده. فكم من مبادرةٍ بدأت بكلمةٍ، ثمَّ تحوَّلت إلى أيدٍ تمتدُّ بالخير، وقلوبٍ تتسابقُ إلى جبر الخواطر، وأشخاصٍ سخَّرُوا ما يستطيعُونَ لتخفيف معاناة غيرهم.
إنَّ أجملَ ما في هذه المواقف أنَّها تذكِّرنا بأنَّ الخير لا يزال حاضرًا في مجتمعنا، وأنَّ الوقوف مع الإنسان في ضعفه ليس تفضُّلًا، بل قيمة إنسانيَّة أصيلة تعكسُ ما تربَّى عليه أبناءُ هذا الوطن من شهامةٍ وكرمٍ وتراحمٍ. فالمجتمعات لا تُعرف قوَّتها بما تحقِّقه من إنجازاتٍ فحسب، بل بما تقدِّمه لأبنائها حين تضيقُ بهم الحياة، وبما تمنحه للإنسان من شعورٍ بأنَّه ليس وحده في مواجهة المحن.
وفي وطننا الغالي، تتجدَّد هذه المعاني في مواقف كثيرةٍ نراها ونلمسُ أثرها، حيث تتعاضدُ الجهودُ، وتتلاقى المبادراتُ، ويتسابقُ أهلُ الخير إلى مدِّ يدِ العون. وهذا ما يجعلنا نفخر بمجتمعنا السعوديِّ، الذي لا تزال فيه النخوة حاضرةً، والرَّحمة قيمةً راسخةً، والعطاء سلوكًا يتوارثه الأبناءُ عن الآباء.
لقد دمعت عيناي وأنا أتابعُ هذه القصَّة، لكنَّ دموعي لم تكن حزنًا وحده، بل امتزج فيها التأثُّر بالأمل، والألم بالفرح، حين رأيتُ كيف يمكن لقصَّة موجعة أنْ توقظ في النفوس أجمل ما فيها، وكيف يمكن لمعاناة أسرة أنْ تكشف عن قلوب كثيرة لا تزال تنبض بالخير.
ولعلّ أعظم ما نخرج به من هذه الحكاية، أنَّ الإنسان قد يمرُّ بابتلاءٍ لا يختاره، لكنَّه يجد حوله من يخفِّف عنه وطأته، ويمنحه الأمل في أيامه الصَّعبة. فطوبى لكلِّ يدٍ امتدَّت بالعطاء، ولكلِّ قلبٍ شعر بوجعِ غيره، ولكلِّ إنسانٍ جعل من قدرته وسيلة لتخفيف معاناة إنسانٍ آخرَ.
حفظَ اللهُ وطنَنَا، وأدامَ علَى شعبهِ نعمة التَّراحمِ والتَّكاتفِ، وباركَ فِي أهلِ الخيرِ والعطاءِ، وكتبَ أجرَ كلِّ مَن سَعَى في تفريجِ كربةٍ، وجبرِ خاطرٍ، ورسمِ الأملِ في قلبٍ أنهكهُ الألمُ. ونسألُ الله أنْ يمنّ على هذه الأمِّ وأبنائها بالشِّفاء، وأنْ يبدَّل خوفَهم طمأنينةً، وتعبَهم عافيةً، وأنْ يجعلَ ما مرُّوا به رفعةً لهم في الدُّنيا والآخرة.

أخبار ذات صلة