قد نفقدُ شيئًا مرَّتين: مرَّة حين يغيبُ عن أيدينا، ومرَّة حين نظنُّ أنَّ الحياة لم تعد تستحقُّ بدونه. وقد نتعبُ في طريق طويل، ثم نكتشفُ أنَّ الغاية التي استنزفت أعمارنا، لم تكن يومًا رغبتنا. وبين التعلُّق بما نملكُ، والحيرة فيما نريدُ، تمضي أيَّامٌ كان يمكن أنْ نعيشها بطمأنينةٍ أكبر.
استوقفنِي حديثٌ للمستشار ناصر الجميعة، عن سؤال رافق الإنسان طويلًا: كيف يمكنُ أنْ يعيش بألمٍ أقلَّ؟ وقد تناول أربعةَ أمورٍ لتخفيف المعاناة، وجدتُ فيها دعوةً إلى مراجعة أعباء نضيفها إلى حياتنا دون أنْ نشعر.
أوَّلها التعاملُ مع الأشياء بعقليَّة الإيجار أو الإعارة؛ فالبيتُ، والسيَّارة، وسائرُ مقتنياتنا تظلُّ قابلةً للفَقْدِ والتعطُّل مهما ثبتت ملكيتنا لها. ننتفعُ بها ونحافظُ عليها، مدركِين أنَّ امتلاكها لا يضمنُ بقاءَها.
وقد عبَّر لبيد بن ربيعة عن هذا المعنى بقوله:
وَمَا المَالُ وَالأهْلُونَ إلَّا وَديعةٌ
وَلَا بُدَّ يَومًا أنْ تُرَدَّ الوَدَائِعُ
هذا الإدراكُ لا يمنع الحزن، لكنَّه قد يخفِّف شعورنا بأنَّ الخسارة أنهت كلَّ ما يمنح حياتنا قيمتها. نُقدِّر النِّعمة في حضورها، ونتقبَّل حدود قدرتنا على الاحتفاظ بها، ونمنح أنفسنا وقتًا لاستعادة التوازن حين نفقدها.
أمَّا الأمرُ الثَّاني فهو معرفةُ ما نريده، والاستعدادُ لدفع ثمنه. ويرى الجميعة أنَّ ثلاثة أرباع السَّعادة تكمنُ في معرفة ما نريدُ، والرُّبع الباقي في تحمُّل كلفتِهِ، وهي نسبةٌ تعبِّر عن رُؤيته لأهميَّة الوضوح والمسؤوليَّة.
قد يمضي الإنسانُ سنواتٍ يحقِّق توقُّعات الآخرين، حتَّى يصبح ناجحًا في نظرهم، وغريبًا عن نفسِه. لذلك يحتاجُ إلى أنْ يسأل بصدقٍ: أيُّ حياة أريدُ؟ وما الذي يستحقُّ أنْ أبذلَ فيه عمري؟
وحين تتَّضح الوجهةُ، ينبغي فهم تبعاتها؛ فالتعلُّم يتطلَّب جهدًا، والاستقلال يحمِّلنا مسؤوليَّات، والتفرُّغ لغاية قد يقتضي التنازل عن فرص أُخرى. يقول المتنبي:
لَولَا المَشَّقّةُ سادََ النَّاسُ كلُّهمُ
الجُودُ يُفقِرُ وَالإِقدَامُ قتَّالُ
ومعرفة الثَّمن تجعلُ القرار أنضجَ؛ نلتزم به عن قناعة، ونراجعه إذا تجاوز قدرتنا، أو ابتعد عن قيمنا، مميِّزين بين مشقَّة تستحقُّ الاحتمال، واستنزاف يستدعي التوقُّف.
ويتَّصل الأمرُ الثالثُ بالاستعداد للتغيُّر واستثمار العمر. كنَّا أطفالًا ثمَّ كبرنا، وتبدَّلت احتياجاتُنا، وستأتي مراحل تتطلَّب استعدادًا مختلفًا. فما نتعلَّمه اليوم، وما ننمِّيه من مهارات، وما نُحسن تدبيره واستثماره من أموال، قد يصبح سندًا لنا غدًا.
وما أجمل أنْ نصل إلى مرحلةٍ جديدةٍ فنجد فيها ثمرة جهد سابق تعيننا على عيشها بطمأنينة. هكذا يتحوَّل وعيُنا بقيمةِ العمر إلى عملٍ، ويأخذ المستقبل نصيبه من اهتمامنا دون أنْ يستأثر بحاضرنا.
أمَّا الأمرُ الرابعُ، فهو تلبية حاجات الجسد، من غذاء، ونوم، وراحة، وعناية. نحمِّله طموحاتنا، ونؤجّل حقوقه، ثمَّ نلوم أنفسنا حين يضعف التركيز، وتثقل المهام. وربما احتجنا قبل مضاعفة الضغط إلى إنصاف أجسادنا، فالقدرة على الاستمرار تتطلَّب طاقة نصونها، وراحة نتيحها لأنفسنا دون شعور بالتَّقصير.
تلتقي هذه الأمور في مسؤوليتنا عمَّا نستطيع تغييره: علاقتنا بالأشياء، ووجهتنا، واستعدادنا للغد، وعنايتنا بأنفسنا. ستبقى للحياة أوجاعها، لكنَّنا نستطيع أنْ نخفِّف بعض ما نضيفه إليها، وأنْ ننتبَّه لما في أيامنا من خيرٍ يستحق أنْ يُعاش.
* همسة أمل:
امنح ما تحبُّ حقّه من التّقدير، وما تريدُ حقّه من السَّعي، وغدكَ نصيبه من الاستعداد، وجسدكَ حاجته إلى الرَّاحة. واحتفظ لنفسك بنصيب من الحياة التي تتعب من أجلها، حتى لا تصل إلى ما تمنَّيت، وقد استهلكت قدرتك على الاستمتاع به.