لا يُختبرُ الجبلُ في هدوء الطقس، وإنَّما حين تعصفُ به الرياحُ من كلِّ اتِّجاهٍ. هكذا تبدُو المملكة، تتقاطعُ فوق سمائِها صراعاتُ الدولِ، وأجندات الجماعات المسلَّحة، ولكن تقفُ ثابتةً، فهي تعرفُ حجم الخطر، وتدركُ ثقل المسؤوليَّة؛ لتمضي في طريقها، دون أنْ تسمحً للعاصفةِ بأنْ تقتلعَها من جذورها.
وتعدُّد مصادر الخطر، لا يعني بالضَّرورة أنْ تتعدَّد ردودُ الفعل، وهنا تحديدًا تظهرُ أهميَّة الطريقة التي تديرُ بها المملكةُ هذا المشهد. فلا تسمحُ لمن يطلق صاروخًا أو مسيَّرةً بأنْ يحدِّد لها إيقاعها، ولا تمنح مَن يسعى إلى جرِّها نحو الفوضى فرصةَ اختيارِ توقيتِ المواجهة. فالدولةُ التي تعرفُ ما تريد، لا تتركُ قرارها رهينةً لانفعالٍ لحظيٍّ، ولا تجعل خصومها يقرِّرُون متى وكيف تتحرك؟
ولأنَّ هذا النوع من المواجهات لا يُحسم برد فعل واحدٍ، فقد أدركت المملكةُ -منذ وقت مبكر- أنَّ حماية أمنها ومصالحها تحتاجُ إلى منظومةٍ متكاملةٍ من عناصر القوَّة. من هنا جاء بناء جيش وأجهزة أمنية تعمل بيقظة، ودبلوماسيَّة تتحرَّك على أكثر من مسار، واقتصاد قادر على امتصاص الصدمات، وشراكات دوليَّة تعزِّز قدرتها على حماية مصالحها، فهي تحمي حدودها بيدٍ، وتصنع مستقبلها باليدِ الأُخْرى.
من هذه المعادلة يمكن فهم كثيرٍ من المواقف السعوديَّة التي قد تبدُو للبعض هدوءًا زائدًا، بينما هي في حقيقتها جزءٌ من حساب أوسع لمصالح الدولة. فالصَّبرُ ليسَ تراجعًا، والهدوءُ ليسَ عجزًا، والدبلوماسيَّةُ ليستْ بديلًا عن القوَّة، فالسَّلامُ الذي لا تحميه قوَّةٌ قد يتحوَّل إلى فرصةٍ للابتزاز. والمملكةُ تتركُ أبوابَ الحوارِ مفتوحةً حين يكونُ الحوارُ ممكنًا، لكنَّها لا تساومُ على أمنِها.
وإذا كان ثبات الموقف السعوديِّ يقوم على وضوح المصالح، فإنَّه يقومُ كذلك على وضوح الخصومة نفسها؛ فالمملكة لا تحتاج إلى تحويل الخلافات السياسيَّة والعسكريَّة إلى عداوات بين الشعوب حتى تدافع عن أمنها. فالخصومة مع سياسات حكومات، أو ممارسات جماعات مسلَّحة، لا تعني الخصومة مع الشعوب أو الأديان، وهذه نقطة تزداد أهميَّتها في منطقة تختلط فيها السياسة بالعقيدةِ والهُويَّة، وتُستغل فيها المشاعر أحيانًا لتوسيع دائرة الصِّراع. وقوَّة الدولة هنا ليست في اتِّساع دائرة خصومها، بل في قدرتها على تحديد مصدر التَّهديد بدقَّة، ومواجهته دون أنْ تنجرَّ إلى معارك لا تخدمُ أمنها ولا مصالحها.
ومَن يحاول اختبار المملكة اليوم، استنادًا إلى صورة عابرةٍ، أو ظرفٍ مؤقتٍ، قد لا يدركُ حجم التحوَّل الذي طرأ على قدراتها. فالسعوديَّة التي تواجه تحدِّيات اليوم، ليست السعوديَّة التي كانت تواجهها قبل عقود؛ فقد تعزَّزت مؤسَّساتُها، وتطوَّرت قدراتُها الدفاعيَّة والأمنيَّة، واتَّسع حضورُها الدبلوماسيُّ والاقتصاديُّ، وأصبح قرارُها أكثرً اتِّصالًا برُؤيةٍ طويلةِ المدى لمصالحها الوطنيَّة. لذلك فهي لا تبحثُ عن الحرب، لكنَّها لا تخشاها حين يصبحُ الدفاعُ عن أمنها وسيادتها ضرورةً.
وفي النهاية، فإنَّ العبرة ليست في أنْ تتوقَّف الرِّياحُ، فذلك ليس بيدِ الجبل، وإنَّما في أنْ يبقى الجبلُ ثابتًا حين تمرُّ العاصفةُ. والمملكةُ وهي ترى ما يدور حولها من اضطرابات وصراعات وتهديدات، اختارتْ أنْ تحمي حاضرَها، وتصنعَ مستقبلَها، وتحافظَ على قرارِها، وأنْ تقولَ لكلِّ مَن يراقبها من بعيدٍ إنَّ هذا الوطن لا يُدار بردودِ الأفعال، ولا تُرسَم حدودُه بإرادةِ الآخرِين، ولا تُختبرُ قدرتُه على البقاء كلَّما هبَّت عاصفةٌ جديدةٌ.