أيُّ شناعةٍ تلك التي تجعلُ المدنيِّين الآمنِينَ أهدافًا للموتِ، وتحيل رحلةَ مسافرٍ، وطمأنينةَ أسرةٍ إلى فاجعةٍ؟ إنَّ تعمُّد استهدَاف المدنيِّين في النِّزاعات المسلَّحة جريمةُ حربٍ، يكتمل وصفها القانونيُّ بثبوت أركانِها، ولا يخفِّف بشاعتها شعارٌ يرفعُه المعتدِي أو ذريعة يتستَّر خلفَها. ومن هنا، فإنَّ الاعتداءات الحوثيَّة السَّافرة على المملكة تستحقُّ إدانةً لا مواربةَ فيها، فالدماءُ المعصومةُ ليست مجالًا للمساومةِ، وترويع الأبرياءِ جرمٌ يستوجبُ المحاسبة، ويضع كلَّ صاحب ضميرٍ أمام مسؤوليَّته.
إنَّها ساعة المسؤوليَّة التي ينبغي أنْ يستشعرها الجميعُ؛ المواطنُ الذي ينتمي إلى هذه الأرض، والمقيمُ الذي يعيشُ في كنفِها، وكلُّ إنسان في العالم يؤمنُ بحرمة الدِّماء وحقِّ الشعوب في الأمن. فالاعتداءُ على الآمنِينَ قضيَّة تستنهضُ الضمير الإنسانيَّ، وتستوجب موقفًا واضحًا يرفضُ الجريمة، ويناصرُ المتضرِّرِين، ويطالب بمحاسبة مرتكبيها. وكلَّما اتَّسعت دائرةُ التضامنِ، ازدادت قوَّة الرسالة بأنَّ حياة الأبرياء لا يجوزُ أنْ تصبح وسيلةً للابتزاز.
ولنا نحنُ -أبناء هذا الوطن- مسؤوليَّة أعظم، فالأرضُ التي احتضنتنَا، والقيادةُ التي تحملُ أمانة أمننا، والوطنُ الذي نطمئنُ فيه على أبنائِنَا، يستحقُّونَ وفاءً تترجمه المواقفُ. لقد آن الأوانُ أنْ يتقدَّم واجبنا على انشغالاتِنا، وأنْ يجدَ الوطن في كلِّ واحدٍ منَّا صوتًا صادقًا، وعملًا نافعًا. فمَن عرف قيمة الأمن، أدرك فداحة العبث به، ومَن ذاق طمأنينة الحياة، استشعر واجبه في صونها.
دافعُوا عن دينِكم بإظهار قيمهِ في حرمة الدِّماء، وصيانة الأرواح، وذودُوا عن قيادتِكم ووطنِكم بوحدةِ الصفِّ، وثبات الموقف. بالغُوا في الوفاء، بالغُوا في خدمة الحقيقة، بالغُوا في دحر خطاب الحاقدِين والحاسدِين بالحجَّة والبيان، وفي كشف أكاذيبِهم، وتفنيد تضليلِهم.
ويا مَن تعيشُونَ على أرض الحرمَين، إنَّ الأمن الذي يجمعُنا يحمِّلنا مسؤوليَّة مشتركة في المحافظة عليه. شاركُوا في التَّوعية، وساندُوا المتضرِّرِين عبر القنوات المعتمدة، والتزمُوا التَّعليمات، واجعلُوا حضورَكم إضافةً إلى تماسك المجتمع. فالمحنةُ تكشفُ معدنَ الوفاء، وتمنحُ الجميعَ فرصةً لترجمة امتنانهم لهذه الأرض، إلى مواقفَ وأعمالٍ يلمسُ النَّاسُ أثرهَا.
أمَّا مشاهيرُ التواصل الاجتماعي، فإنَّ مسؤوليتهم تتعاظم بقدر اتِّساع تأثيرهم. أعيدُوا ترتيب أولويَّاتِكم، وامنحُوا وطنَكم مساحةً تليقُ به، فمَن يتابعه الملايينُ يستطيعُ أنْ يسهمَ في تشكيل وعيهم، ومَن يجد الوقت لكلِّ إعلان يستطيعُ أنْ يجد وقتًا لكلمةِ وفاءٍ. اجعلُوا شهرتكُم سندًا للحقِّ، واستشعرُوا أمانة الجمهور الذي يصغي إليكم. وخاطبُوا العالم بلغةٍ يفهمها، وأوصلُوا إليه حقيقة معاناة الأبرياء، وعدالة حقِّهم في الحماية.
واجعلُوا هذا الحضور منضبطًا بصدق المعلومة، وحكمة التصرُّف، تحقَّقُوا قبل النَّشر، واستقُوا الأخبارَ من مصادرها الرسميَّة، واحفظُوا كرامةَ الضحايا وخصوصيتهم. ثم امضُوا في أداء واجبِكم بثباتٍ: دافعُوا وذودُوا عن دينكم وقيادتكم ووطنكم، ولا تنتظرُوا أنْ يؤدِّي غيرُكم ما تستطيعون أداءه. فكلُّ موقفٍ مسؤولٍ يقوِّي تماسكنا، وكلُّ عملٍ نافعٍ يسندُ وطننا، وكلُّ كلمةٍ أمينةٍ تؤكِّدُ أنَّ لهذه الأرض أهلًا يعرفُون حقها، ويفُون لها حين تناديِهم.
حاتم سعد العميري
Alhatmi-king