منتدى

عطر النبلاء.. حارس الإرث الأمين

عبدالله البشيري 18 أكتوبر 2026 11:47 3 دقائق قراءة
في زمن تزاحمت فيه صور الوهم كخدعة بصرية وألعاب نارية، وتعددت أوجه المراجل، وعلت أصوات الادعاء أكثر مما يعلو أثر الإنجاز، فراغ يؤدي إلى فراغ. ظل رجال لا يحتاجون إلى ضجيج، ولا إلى زيف يرفع أسماءهم، ولا إلى سيرة صاخبة ليحتل مكانته بين الكبار، لعل من أكتب عنه "استثناء" يتقاطع مع قامات طبية عالمية بارزة، سيرته تمضي متعالية على ذاكرة الحواس؛ ذاكرة مملؤة بالانسجام، تتغلغل في نسيج متسامح، ومن يستحق جمال الجمل واللحن الأزلي ومن غيره: د. ناصر الزهراني، استشاري المخ والأعصاب بمستشفى الملك فهد بجدة، رجل لم يصنع حضوره من بريق الألقاب، بل من أثر تركه في حياة الناس، ومن سيرة علمية وإنسانية تستحق أن تروى، نموذج ينتمي إلى عالم لا ينتهي من الدهشة والأسئلة والعبقرية، التي تقيم في الصمت خارج دوائر الضوء، كمشروع طبي، وقبله أخلاقي، خرج من أحضان الوعي، ممتطياً صهوة جواد الحلم البهي، متجذرا في هويته الوطنية، يذهب إلى بعد جديد من مساحات الوطن وخرائطه، الذي جعله يقينا وشكلا من أشكال الحياة، يرتب جغرافيته ومدنه وقراه، منحاز لتاريخه وإرثه، يمضي هادئا، لكن بأثر لا يهدأ ويترك خلفه من الإنجاز ما يجعل الحديث عنه شهادة للواقع لا مجاملة للإنسان، مولود من طيبة الأرض، ومقام الروح، سليل القيم الرفيعة، ووصايا الصالحين.
هكذا تبدو الحكاية؛ حكاية ابن البدايات، وخاصرة القرى والدواوين الريفية، أوديتها وجبالها، باحاتها وأزقتها وأسطح بيوتها، باعتباره حارسا أمينا لصورة الأجداد -اليقين المصفى- وأصلا وراثيا جينيا لهم، الذين تلونت وجوههم وأكفهم بلون ترابها.. وملأوا سماءها بسحابات الغيم والمطر، مؤثث بالروح والريحان، يسرد قصة الحب لسهولها ووهادها كنجم أبدي، ونافذة تطل على تضاريس الوطن، لا يمل من تكرار السلام، وفي كل مرة يعيد صياغته بوفاء وبطريقة لا تشبه سابقتها، وبأستاذية خيالية تقفز فوق المفاهيم، أقسم في سره أن يجعل حياته ينابيع بيضاء وبلسما لتستريح القلوب المتعبة، كرسالة سامية تجمع بين الدقة والرحمة، بل كأيقونة فرح، وثراء ثقافي ينشره بين بساتين البشر، أو كحلم في عيون البراءة، ينسج الضوء للناس -كل الناس- خيوطا من السكينة، وكأنه خيال شعري أو استعارة في ضمير البحتري. بترف العطاء، وسخاء الكلمة، ورخاء المشاعر بكل هذا وبغيره لا شيء يعجزه عن طمأنة المريض المتعب، فكل شيء يضعه على ضفاف الحلول المقبولة ليمنح الحياة أمداً يلامس الأرواح ويمتد حتى ارتشاف قوافي الفرح..
أخيرا ثمة كلام لم يقل بعد في مسيرة الدكتور ناصر الطبية، كألمع السير المهنية وأبهاها وكمفخرة من مفاخر بلادنا، كونه ركنا من أركان العلم والمعرفة، ففي رصيده عشرات الشهادات من زمالات وحضور مؤتمرات طبية حول العالم، والأهم أنه أمضى جل عمره الطبي في ساحات الاستشارات الطبية والأبحاث ومجالس الطب العالمية، يفوز ويحقق وينجز، مما جعل اسمه مرادفاً للتميز والابتكار، وبات اليوم مرجعا عالميا لجراحة المخ والأعصاب لا يمكن حصرها في مقالة. وفي كل الأحوال سيبقى الدكتور ناصر جزءا من ذاكرة الناس والأرض الطيبة، يعانق السماء ويمنحها لياقتها، ليحيلنا إلى شذا أشجار الود، وأعشاب المواسم التي تزهر في حقول حياتنا.

أخبار ذات صلة