في عوالم الإدارة الحديثة، نتحدث طويلاً عن الحوكمة، والقيادة التحويلية، والرشاقة المؤسسية، والتمكين الوظيفي، لكن في كواليس بعض المنظمات، يوجد كائن إداري فريد من نوعه، لا صلة له بكل هذه المفاهيم، بل يمثل نقيضها التام، إنه أبوجلمبو، الشخصية التي جُبلت على كل أمراض الإدارة الكلاسيكية، والخبث المؤسسي الممنهج. أبوجلمبو ليس شخص سيئ، بل هو ظاهرة إدارية متكاملة السوء، يرتجف خوفاً كلما رأى كفاءة حقيقية تحقق نجاحاً أو تقدماً، وفي المقابل، يمتلك قدرة أخطبوطية على البقاء والتمدد، إنه يطبق حرفياً قاعدة: إذا لم تستطع أن تتفوق عليهم.. فعطّلهم. يمتاز أبوجلمبو بالضعف الإداري المستتر، إذ يهرب دائماً من اتخاذ أي قرار إستراتيجي حقيقي، وإذا وُضع في مأزق، يختبئ خلف الأعمال الوهمية والاجتماعات المطوّلة التي لا تُسفر إلا عن توصيات مطاطية، ويعمل بالخبث التكتيكي، فهو يتقن لغة الهمس والغمز، لا يستطيع أن يُواجهك وجهاً لوجه أبداً، بل يُرسل إشارات مبطّنة، ويستخدم الموظفين الضعفاء في مؤامراته، ويُحب أن يزرع الشكوك في قلوب الإدارة العليا تجاه الموظفين المخلصين، لئلا يعلو صوت أحدهم فوق صوته، ولكي يخفي ضعفه وفشله. تستند إمبراطورية أبوجلمبو المصغرة على مبدأ العصور الوسطى، فرّق تسد، وإنه يؤمن بأن انسجام الموظفين وتعاونهم هو الخطر الأكبر على استقراره، لذا، تراه يُغذِّي الصراعات الخفية، وينقل الكلام بين الزملاء بطرق محرَّفة، ويُوزِّع الامتيازات والمكافآت بمعايير مزاجية بحتة لا علاقة لها بالكفاءة، بل بالولاء الشخصي المطلق لشخصه، فالموظف الذكي في قاموسه هو الذي ينقل إليه الأخبار، ويُنفِّذ دون أن يسأل، وليس الموظف المخلص الذي ينجز المهام. المنظمة في نظر أبوجلمبو مجرد منصة إطلاق لتحقيق مصالحه الضيقة وصورته الذهنية، فتجده في كل انتداب متواجد منفرداً دون أي زميل له، وفي كل مؤتمر مشارك، ولكن بدون أي نتائج تُحقِّق منفعة للمنظمة، وهو يعمل على القفز على كل المناصب دون أي مراعاة لعهود أو التزامات لا يفي بها، بل ينظر إلى مصلحته قبل كل شيء، وتجده حريصاً جداً على الظهور في الصورة، وقطف ثمار جهود الفريق ونسبها لنفسه في التقارير المرفوعة للإدارة العليا، أما عند حدوث أي إخفاق، فتلك هي اللحظة التي تتجلَّى فيها عبقرياته في إيجاد كبش فداء جاهز، يتحمَّل الوزر كاملاً، بينما يقف هو موقف القائد الحكيم الذي حذر مسبقاً من هذا التقصير. التعامل مع أبوجلمبو يُشبه المشي حافياً على حقلٍ من الألغام؛ فكل خطوة محسوبة، وكل كلمة قد تُفسَّر ضدك، إن فهم هذه الشخصية ليست دعوة لليأس، بل هو الخطوة الأولى للمناعة المؤسسية، وفي المقالات القادمة، سنغوص عميقاً في كيف يدير صراعاته بحرفية شريرة. (أبوجلمبو هو الصورة السوداء للإدارة الحديثة، وقريباً تتأكد من هذه الشخصية في منظمتك).