كتاب

فاكـــــرين

طارق علي فدعق 19 أكتوبر 2026 23:32 3 دقائق قراءة
بسبب تعاملنا اليومي مع ذاكرة الحواسيب والهواتف المحمولة، أصبحنا نتصوَّر الذاكرة على هيئة عناوين تُخزَّن فيها المعلومات، ثم تُسترجع عند الحاجة. وأكيد أنَّ هذا التصوُّر يحتاج إلى مراجعة، فالذاكرة البشريَّة حصيلة خبرات تدخل حياتنا عبر حواس متعدِّدة، وتُعالَج داخل منظومة عصبيّة شديدة التَّعقيد، وليست مجرَّد مخزنٍ من العناوين. ولإلقاء الضوء على اتِّساع مفهوم الذاكرة، يجدرُ بنا أنْ نتذكَّر أنَّه لا يقتصر على الإنسان. نبدأ بمثالٍ عجيبٍ من علم المواد: فقد توصَّل العلماءُ -بتوفيق الله- إلى سبائك تتمتَّع بما يُعرف بذاكرة الشكل، مثل سبائك النيكل، والتيتانيوم، وبعض السبائك النحاسيَّة المحتوية على الزنك، والألومنيوم. تستطيع هذه المواد استعادة شكلٍ محدَّدٍ مسبقًا بعد تشوُّهها عندما تتعرَّض لدرجة الحرارة المناسبة، نتيجة تحوُّل في بنيتها البلوريَّة، لا لأنَّها تمتلكُ ذاكرةً واعيةً بالمعنى البشريِّ. ولهذه الخاصيَّة تطبيقات عديدة في الطبِّ، ولا سيَّما الدعامات الوعائيَّة ذاتية التمدُّد، كما تُستخدم في الطيران، والفضاء، وأنظمة التحكُّم المختلفة.
وفي عالم الكائنات الحيَّة نجد قدرات متنوِّعة ومُذهلة على التعلُّم والتذكُّر. فبعض الغربان تستطيع تذكُّر وجوه البشر وخبراتها الاجتماعيَّة لفترات طويلة. وتستفيد الفيلة من ذاكرتها المكانيَّة والاجتماعيَّة في تذكُّر مسارات الهجرة، ومصادر المياه، حتَّى بعد مرور سنوات. وفي البحر، أظهرت الدلافين قدرةً لافتةً على تمييز الصفَّارات المميَّزة لأفراد سبق أنْ عاشت معها، حتَّى بعد فترات طويلة من الانفصال. أمَّا في عالم الهجرة، فتقطعُ كائناتٌ كثيرةٌ مسافاتٍ هائلةً مستعينة بمزيجٍ من الإشارات المغناطيسيَّة والكيميائيَّة والبصريَّة وغيرها، ولا تزال بعض تفاصيل هذه الآليَّات موضع بحث. ومن أشهر الأمثلة سمك السلمون، الذي يغادر الأنهار إلى المحيط، ثمَّ يعود بعد سنوات إلى النهر الذي نشأ فيه، وأحيانًا إلى منطقة قريبة جدًّا من موطنه الأصليِّ. كذلك تنقل نحلات العسل إلى زميلاتها معلوماتٍ عن اتِّجاه مصادر الرَّحيق، ومسافتها، بواسطة رقصةٍ مميَّزةٍ تستندُ إلى موقع الشَّمس ومعالم البيئة. وهذه أمثلة قليلة من عالم واسع، تكشف فيه الذاكرةُ عن صورٍ مذهلةٍ.
ونعود الآن إلى ذاكرة البشر، فنجد أنَّها، على ما تتمتَّع به من قدراتٍ، قابلة للضعف والتحريف. فهناك عوامل متعدِّدة تؤثِّر فيها، منها تلاشي بعض التفاصيل مع مرور الوقت، وضعف الانتباه عند تكوين الذِّكرى، وتعثُّر استرجاع المعلومة فيما يُعرف بظاهرة «طرف اللِّسان»، وتأثير الإيحاءات الخارجيَّة، إضافة إلى التحيُّزات التي تُعيد تشكيل ما نتذكَّره، وطرق تفسيره. وبين النسيان والتداخل والإيحاء، يتَّضح أنَّ الذَّاكرة البشريَّة ليست تسجيلًا مطابقًا للأحداث، بل عمليَّة بنائيَّة قد تحتفظ بجوهر التجربة، وتغيِّر بعض تفاصيلها.
أمنيــــــة..
سأختمُ بالانتقال من ذاكرةِ الأفرادِ إلى ذاكرةِ الأوطانِ، والعلاقات الدوليَّة. فما نشهده اليوم، من هجماتٍ حوثيَّةٍ على المملكة، وما ترتَّب عليها من وفيات، وإصابات، وتهديد لسلامة المواطنين والمقيمِين والزوَّار، ومن بينهم زوَّار يقصدُون المشاعر المقدَّسة، أحداث يصعب أنْ تمرَّ بلا أثر. أتمنَّى أنْ تبقى هذه الاعتداءات حاضرةً في ذاكرة الوطن والعالم. وقد يأتي زمن تتَّجه فيه المنطقة إلى السَّلام، وتجاوز آثار الصِّراع، لكنَّ السلام المستدام لا يقوم على محو الذاكرة، بل على احترام الضحايا، وتوثيق الوقائع، والمساءلة.. أرجو ألّا ننسى، وحسبُنا الله ونعمَ الوكيل.
وهو من وراء القصد.

أخبار ذات صلة