تكشف الأزمات التي تمر بها الدول عن مكانتها الحقيقية أكثر مما تفعل سنوات الاستقرار، فعندما تتعرَّض دولة لاعتداء، تصبح المواقف التي تتشكَّل حولها مقياسًا لوزنها، وقوة علاقاتها، ومدى وضوح قضيتها أمام العالم. وهذا ما أظهرته الاعتداءات الحوثية الأخيرة على المملكة، حيث سارعت مختلف الدول ومؤسسات صُنع القرار العالمي للتعبير عن رفضها للانتهاكات التي تقوم بها الميليشيات الإرهابية، وتأكيد التضامن مع السعودية. هذا الالتفاف الواسع لم يكن مجرد استجابة دبلوماسية عابرة، إنما هو دلالة سياسية واضحة على المكانة المرموقة للمملكة، وأن أمنها وسيادتها واستقرارها ليس شأناً محلياً فقط، وأنه يُمثِّل جزءاً من معادلة أوسع للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. فعندما يُسارع مجلس الأمن الدولي، والاتحاد الأوروبي، ومجموعة السبع، ومجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وجميع الدول الكبرى، لتأكيد التضامن مع الموقف السعودي؛ فإن ذلك يحمل بدون شك دلالات سياسية تتجاوز الاعتداءات نفسها. ففي عالم تتعدّد فيه المصالح وتتباين المواقف حتى تجاه أخطر الأزمات؛ يصبح الإجماع حول قضية واحدة مؤشراً مهماً إلى وضوح الموقف، وإلى المكانة التي تشغلها الدولة المستهدفة داخل منظومة الأمن والاستقرار الدوليين. فالاعتداء على السعودية لا يمكن النظر إليه على أنه حدث معزول عن محيطه. فهي دولة محورية في العالمين العربي والإسلامي، وفاعل رئيسي في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. كما أن موقعها الجغرافي يضعها في قلب منطقة ترتبط مباشرة بممرات بحرية وتجارية حيوية. لذلك فإن استهداف أراضيها ومنشآتها ومدنها لا يبقى شأنًا داخليًا أو مواجهة محدودة مع جماعة مسلحة، بل يمتد أثره إلى معادلات الأمن الإقليمي، والملاحة، والتجارة، والطاقة. أبرز مواقف التضامن كانت من المؤسسات الدولية المنوط بها حفظ الأمن والاستقرار العالميين، فمجلس الأمن الدولي سارع مرتين خلال أقل من أسبوعين لتأكيد إدانته ورفضه للاعتداءات الحوثية، ورفض كافة مبررات الميليشيات الإرهابية وداعميها. وهذا الموقف القوي لا يحتاج إلى كثير من التأويل، فهو يمنح الموقف السعودي سنداً دولياً واضحاً، ويكشف في الوقت نفسه حجم العزلة السياسية التي تعاني منها جماعة الحوثيين وداعموها. في ذات السياق يأتي موقف الاتحاد الأوروبي؛ الذي أعلن بدوره إدانته الشديدة للهجمات الحوثية، وعبّر عن تضامنه الكامل مع المملكة. وعلى ذات النهج أعربت مجموعة السبع التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان دعمها للسعودية والحكومة اليمنية، ودعت الحوثيين لوقف الأعمال العسكرية فوراً، وعدم تهديد الملاحة المدنية والعودة إلى العملية السياسية. على المستوى الإقليمي توالت الإدانات الخليجية، وأكد مجلس التعاون وقوف دوله صفاً واحداً إلى جانب السعودية ودعمها في الإجراءات التي تتخذها لحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، كما أكدت جامعة الدول العربية أن الاعتداءات الحوثية تمثل انتهاكاً لسيادة المملكة وتهديداً للمدنيين ولأمن المنطقة، وجددت تضامنها الكامل معها. وأدانت منظمة التعاون الإسلامي الاعتداءات على المملكة، معتبرة إياها عدواناً؛ ومحاولة للمساس بسلامة المقدسات الإسلامية واستقرار المنطقة. وأهم ما في هذه المواقف هو الاتفاق على جوهر القضية، ورفض استهداف دولة ذات سيادة وتعريض المدنيين للخطر، وحماية المنشآت المدنية، والدفاع عن استقرار المنطقة وحرية الملاحة، والدعوة إلى وقف التصعيد. وهنا تظهر الدلالة الأعمق للمشهد، فالسعودية لم تحصل على هذا التضامن لأنها طلبت من العالم أن يتبنَّى روايتها، وإنما لأن العالم أجمع يشهد باعتدال سياساتها؛ والدور الكبير الذي ظلت تؤديه لضمان الاستقرار والسلم العالمي، ومقدار الاحترام الذي يحظى به قادتها في كافة المحافل الدولية. عموماً، فإن هذه المواقف أظهرت أن السعودية ليست وحدها في مواجهة الاعتداء، وأكدت بيانات الإدانة المتلاحقة أن بلادنا تحظى بمكانة تجعل الاعتداء عليها قضية تتجاوز حدودها، وأن ثقلها السياسي يضع أمنها واستقرارها ضمن اهتمامات قوى ومؤسسات دولية كبرى. وما نراه ليس مجرد موجة تضامن مع دولة تعرضت للاعتداء، بل شهادة سياسية على وزن المملكة، واتساع دائرة الشركاء الذين يرون في استقرارها مصلحة إقليمية ودولية، وأن من حقها الكامل حماية أرضها وشعبها وسيادتها.