كتاب

السعودية العُظمى

محمد البلادي 20 أكتوبر 2026 23:23 3 دقائق قراءة
لا تُقاس عظمة الدول باتساع مساحتها، وعدد سكانها، ولا بما تملكه من ثروات وأسلحة فحسب.. فكم من دولة كبيرة أسقطتها خلافاتها الداخلية، وكم من دولة غنية؛ بدّد مقدراتها فقدان تماسكها الداخلي. عظمة الدول الحقيقية تظهر في عدل وثبات قيادتها، وفي لُحمتها الوطنية وتماسك شعبها، وصلابة مؤسساتها، وقدرتها على امتصاص الصدمات، وإصلاح ما يتضرر، ثم مواصلة طريقها دون أن تسمح للخصوم بتعطيل مسيرتها؛ أو تغيير منهجها.
ومن هنا يمكننا أن نفهم معنى «السعودية العظمى»، فالعظمة هنا ليست لقبًا نردده في لحظة حماس شوفينية، ولا تعبيرًا عن الاستعلاء على الآخرين، ولا ادعاء بأن وطننا لا يواجه التحديات أو يتعرض للاستهداف.. بل هو وصف لدولة كبيرة في جغرافيتها وتاريخها.. وفي مقدساتها ومكانتها ومقدراتها الاقتصاديّة والتنموية ونسيجها الاجتماعي.. والأهم؛ قدرتها على الثبات كلما اشتدت العواصف من حولها.
واجهت بلادنا طوال تاريخها الحديث أزمات وحروباً وأيديولوجيات معادية كثيرة، لكنها - ولله الحمد- تجاوزت كل ذلك واستمرت، بينما هلك أصحاب تلك المشاريع وتلاشت أفكارهم، بعد أن وقعوا جميعًا تقريبًا في الخطأ نفسه، حين ظنوا الاتزان السعودي ضعفاً، وتوهموا أن التروي خوف، وأن تجنب المغامرات عجز عن المواجهة.. غير مدركين أن القوة الحقيقية لا تظهر في ضوضاء الشعارات الجوفاء، بل في اللحظة التي يصبح فيها الفعل ضروريًا.
ليست هذه المرة الأولى التي تُختبر فيها صلابة المملكة وعظمتها؛ فقدر الدول الكبيرة والمؤثرة ألّا تعيش بمنأى عن المكائد والمؤامرات، خصوصًا حين تحمل مكانة دينية وسياسية واقتصادية كالسعودية.. لكن الفرق بين دولة وأخرى ليس في عدم تعرضها للأذى، وإنما في قدرتها على احتوائه، وحماية مجتمعها، والمحافظة على قرارها، والاستمرار في أداء دورها.. قد يستطيع معتدٍ أن يصيب منشأة، أو يعطل مرفقًا تنموياً لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع إيقاف دولة تعرف طريقها، ولا إخضاع شعب يدرك أن ما يُستهدف ليس مبنى أو موقعًا فقط، بل أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه.
هذه الصلابة الوطنية لم تُصنع في يوم، ولم تنشأ من حملة إعلامية أو شعار عابر، بل بنتها عقود طويلة من العلاقة بين القيادة والشعب، ورسختها وحدة دينية وتاريخية واجتماعية، وعززتها دولة جعلت الإنسان محور التنمية، وفتحت أمامه أبواب التعليم والعمل؛ والمشاركة في بناء المستقبل.
في الظروف الاستثنائية، يصبح استمرار الحياة في حد ذاته رسالة قوة.. فالخصوم لا يهدفون لإحداث ضرر مادي فقط، وإنما يريدون إشغال الدولة، وإرباك المجتمع، وإقناع الناس بأن المستقبل أصبح أقل وضوحًا.. ولهذا فإن مواصلة البناء، والمحافظة على الهدوء، والالتفاف حول القيادة، أمثل جميعها رد وطني قوي لا يقل أهمية عن أي رد عسكري.. والسعودية بحمد الله دولة راسخة لا تعود للصفر عند كل أزمة، فمؤسساتها اكتسبت خبرة طويلة في التعامل مع التحديات، واقتصادها قادر على التكيف، وقيادتها تعرف متى تتمهل ومتى تتحرك، وشعبها أثبت عند كل منعطف أنه لا يترك وطنه وحيدًا.
ستنتصر السعودية بإذن الله وستعبر هذه المرحلة كما عبرت كل ما قبلها، وسيلقى أعداؤها مصير من سبقوهم.. فالأحداث تمر، والخصوم يتغيرون، لكن تبقى السعودية العظمى شامخة منتصرة بإذن الله تواصل بناء مستقبلها، لأن الزبد يذهب جفاء، أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

أخبار ذات صلة