كتاب

انتصار العقيل.. حين تصبح الكتابة صوتًا للإنسان

نبيلة حسني محجوب 21 أكتوبر 2026 00:23 4 دقائق قراءة
أربعةٌ في واحدٍ، هذه العبارةُ هي الأقربُ لوصف الهديَّةِ الأنيقةِ التي وصلتنِي من الصَّديقةِ الأنيقةِ فكرًا وأدبًا وخُلقًا، الكاتبة انتصار العقيل. أربعة كتبٍ من إبداعاتِها الأدبيَّة، جاءت في تغليفٍ جميلٍ تزيِّنهُ باقةٌ من الزُّهور، وكأنَّ انتصار أرادت أنْ تمنحَ الحرفَ جمالََه، والهديةَ بهجتَهَا، والصَّداقةَ لمستَهَا الخاصَّة. هكذا اجتمعت الكتبُ والزهورُ ودفءُ المشاعرِ في هديةٍ واحدةٍ، تستحقُّ أنْ أتوقَّف عندها، لا لجمالِها وحده، وإنَّما لما تحملُه من مودَّةٍ وتقديرٍ.
أمَّا الكتبُ، فهي ثلاثُ رواياتٍ: «ترانيمُ عشقٍ»، «حين تهطلُ السَّماءُ دموعًا»، «حبٌّ على الهَوَا». والمجموعةُ القصصيَّةُ «شروخٌ في بؤبؤِ العينِ». أربعةُ أعمالٍ تختلفُ عناوينُها وعوالمُها، لكنَّها تحملُ اسم كاتبةٍ عرفت طريقََها إلى القارئِ من خلال الكلمةِ، واستطاعت أنْ تجعلَ للكتابةِ حضورًا يتجاوزُ صفحاتِ الكُتب، إلى ذاكرة مَن يقرؤونها.
وانتصار العقيل من الكاتباتِ اللاتي مارسنَ الكتابةَ الصحفية مبكرًا، ولفتن الأنظار بجرأتهن الأدبية، وموضوعاتهن التي لامست اهتمامات كثير من النساء، ولا سيما الشابات منهن. وقد جمعت عددًا من مقالاتِها في كُتبٍ، وجدت فيها قارئاتٌ كثيراتٌ ما يلامسُ تجاربهنَّ وأسئلتهنَّ، وما يمنحهنَّ مساحةً للتأمُّل في الحياة، والعلاقاتِ، والذَّاتِ. كنتُ أتابعُ مقالاتِها، فأجدُ في أسلوبها تلك السُّهولة المُمتنعة، التي تجذبُك إلى الفكرةِ من دون تكلُّفٍ، وتدفعُك إلى مواصلة القراءةِ؛ لأنَّ وراء الكلماتِ ما يستحقُّ التأمُّل.
ثمَّ امتدَّت علاقتِي بكتاباتِها إلى مؤلَّفاتها التي تفضَّلت بإهدائِي إيَّاها، وهي كتبٌ أعودُ إليها من حينٍ إلى آخرَ، فتستوقفنِي موضوعاتُها وطريقتُها في تناولها. ولعلَّ هذه من مُتع القراءةِ الحقيقيَّة، أنْ تعود إلى كتابٍ سبقَ أنْ قرأتَهُ، فتكتشف فيه ما لم تنتبَّه إليه من قبل، أو تجد أنَّ بعض الكلماتِ اكتسبتْ -معَ الوقتِ- معنًى آخرَ؛ لأنَّنا نحنُ -أيضًا- نتغيَّر، وتتبدلُ نظرتُنا إلى الأشياء.
في نهاية الأسبوع الماضي، وصلتنِي هذه الهديةِ الجديدةِ، فتوقَّفتُ عندها شكلًا ومضمونًا. أسعدتنِي أناقةُ الكُتب وأغلفتُها، كما أسعدتنِي الزهورُ التي زيَّنتها، لكنَّ الهدية أخذتنِي إلى فكرةٍ أُخْرى: كم من صديقةٍ تستحقُّ أنْ نكتبَ عنها، وأنْ نحتفيَ بتجربتِها، وأنْ نقولَ لها إنَّنا نتابعُ ما تكتب، ونقدِّر ما تقدِّم، ثمَّ نؤجِّل ذلك من دون سببٍ واضحٍ!.
شعرتُ بأنَّني تأخَّرتُ في الكتابةِ عن انتصار، وأنَّه كان يجدرُ بي أنْ أكتبَ عنها قبل أنْ تصلنِي هديَّتُها، لا أنْ تكونَ الهديةُ هي المناسبة التي تذكِّرنِي بما كان ينبغِي أنْ أقولََه من قبل. فالصداقةُ، حين تشتدُّ أواصرُها، قد تجعلنا نطمئنُ إلى أنَّ ما بيننا من مودَّةٍ يُغني عن التَّعبير، وننسَى -أحيانًا- أنَّ للكلمة الطيِّبة أثرًا، وأنَّ الكتابةَ عن الذين نحبُّهُم ونقدِّرهُم ليست مجاملةً، بل لونٌ من الوفاءِ لما يتركُونََه في حياتنا من أثر.
وليست الكتابةُ الإبداعيَّةُ مجرَّد حكاياتٍ تُروَى، أو شخصيَّاتٍ تتحرَّكُ بين صفحات الكُتب، وإنَّما هي رُؤيةٌ للحياة، ومحاولةٌ لفهم الإنسان في لحظاتِ ضعفهِ وقوتهِ، وانكسارهِ وانتصارهِ، وفي المسافة الممتدَّة بين ما يعيشُه وما يحلمُ به. فالأديبُ لا يكتفي بنقل العالم كما يبدُو أمام عينيهِ، بل يُعيد اكتشافَهُ من خلالِ تجاربهِ ومشاعرهِ ورُؤيتهِ الخاصَّةِ، ويمنح التَّفاصيل العابرة معنًى قد لا ننتبَّهُ إليه في زحامِ الحياةِ.
ومن هذا المنظورِ، يمكنُ الاقترابُ من التجربةِ الأدبيَّةِ للكاتبةِ انتصار العقيل؛ فعناوينُ أعمالها الأربعة: «ترانيمُ عشقٍ»، و»شروخٌ في بؤبؤِ العينِ»، و»حينَ تهطلُ السَّماءُ دموعًا»، و»حبٌّ علَى الهَوَا»، تُوحي بالانشغالِ بالإنسانِ وعلاقاتِهِ ومشاعره، وبما يعتملُ في داخلهِ من أسئلةٍ وتناقضاتٍ. وعلى اختلافِ العوالم التي تتحرَّكُ فيها نصوصُها، يبدُو أنَّ ثمَّة خيطًا إنسانيًّا يصلُ بينها، يتمثَّل في الاقتراب من النَّفس البشريَّة، ومحاولة استكشاف ما تُخفيه خلف مظاهر الحياةِ اليوميَّةِ.
ولعلَّ ما يشدُّ القارئ إلى كتاباتِ انتصار، هو قدرتُها على الاقتراب من المشاعرِ، والكشف عن خفايَاهَا بلغةٍ عذبةٍ، تتناغمُ فيها الكلماتُ بإيقاعٍ موسيقيٍّ يمنحُ النصَّ جمالَهُ، ويجعلُ أثره ممتدًا إلى ما بعد الفراغِ من القراءةِ.
لهذا أكتبُ اليومَ، عن انتصار العقيل، لا من بابِ ردِّ الهديَّة بهديَّةٍ، وإنَّما لأنَّ هديَّتها منحتنِي مناسبةً لأقولَ ما كان ينبغي أنْ أقولَهُ من قبل: إنَّني أقدِّرُ قلمَهَا، وأعتزُّ بصداقتِهََا، وأسعدُ بما تقدِّمهُ من إبداعاتٍ أدبيَّةٍ، وأتمنَّى لها مزيدًا من الحضورِ والنَّجاحِ.
شكرًا يا انتصار على الرواياتِ، والمجموعةِ القصصيّة، وعلى الزُّهورِ، وعلى هذهِ اللَّفتة الجميلةِ التي جمعت أربعةََ كتبٍ في هديَّةٍ واحدةٍ، كانَ أجمل ما فيها تلك المحبَّة التي لا تحتاجُ إلى تغليفٍ، وإنْ كانَ الذوقُ الجميلُ يعرفُ كيف يمنحهَا صورةً تليقُ بهَا.

أخبار ذات صلة