ينتمي الحوثي إلى خلفية جارودية في البيئة الزيدية اليمنية. والزيدية ليست قبيلة، كما أنها ليست مرادفًا للحوثية؛ فقد عرف اليمن بين الزيدية والشافعية تعايشًا طويلًا، قبل أن تتحول الاختلافات المذهبية إلى أدوات للصراع على السلطة والنفوذ. وبحسب مصادر موثوقة لديّ، استقدمت إيران بدر الدين الحوثي وأسرته في التسعينيات، وأقاموا فيها، وانتقلوا من الجارودية إلى الجعفرية الاثني عشرية. ثم عادوا لنشر المذهب، ومواجهة السلفية، والتأسيس لجماعة سياسية بطموحات تتعدى منطقتهم. نشأت الحركة في البيئة التي نشط فيها «الشباب المؤمن»، وخاضت ست حروب مع الدولة، حتى انتهت إلى المشاركة في الحوار الوطني مع بقية المكونات اليمنية. بدأ المؤتمر عام 2013، واختُتم عام 2014 بإقرار مخرجات ترسم طريق بناء الدولة، استنادًا إلى المبادرة الخليجية، وبرعاية الأمم المتحدة. لكن الحوثيين تحالفوا مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، الذي سعى إلى استعادة نفوذه. وفي تقديري، قام ذلك التحالف على تبادل المصالح: تمكينهم عسكريًا مقابل فتح طريق عودته أو ابنه أحمد إلى السلطة. وأسهمت قوات موالية لصالح، ومنها وحدات الحرس الجمهوري السابق، في دعم تقدمهم إلى صنعاء. وكان أحمد قد أُبعد عن القيادة العسكرية وعُيّن سفيرًا لدى الإمارات، لكن مغادرته المنصب لم تعنِ انتهاء نفوذ الأسرة. وانتهى الأمر باتفاق آخر سُمّي «السلم والشراكة الوطنية»، بإشراف المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن اليمن، جمال بن عمر. أتاح الاتفاق شراكة سياسية، وتضمّن ملحقه الأمني ترتيبات لسحب المسلحين وتسليم الأسلحة وإعادة سلطة الدولة. وكالعادة، ما إن تمكنوا حتى انقلبوا على التفاهمات، فوضعوا الرئيس وحكومته تحت الإقامة الجبرية، وسارعوا إلى السيطرة على بقية المناطق، حتى وصلوا عدن. وبحسب معلوماتي، طالبوا أيضًا بتحويل الدعم المالي السعودي إليهم مقابل تأمين الحدود، وهو ابتزاز رفضته المملكة. تمكن الرئيس عبدربه منصور هادي من مغادرة صنعاء إلى عدن، ثم طلب رسميًا تدخلًا عسكريًا لدعم الشرعية. واستجابت السعودية، ومعها دول التحالف، بإطلاق «عاصفة الحزم» في 26 مارس 2015. أما خالد بحاح، فكان رئيسًا للوزراء، ثم عُيّن نائبًا للرئيس في أبريل من العام نفسه. وفي 14 أبريل، صدر قرار مجلس الأمن 2216، مطالبًا الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها، وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها من مؤسسات الدولة، والتوقف عن ممارسة صلاحيات الحكومة الشرعية، مع فرض حظر موجّه على التسليح وعقوبات محددة. أحبطت «عاصفة الحزم» تقدم الحوثيين وحلفائهم نحو السيطرة على بقية اليمن، وأعقبتها «عملية إعادة الأمل» بأهداف سياسية وإنسانية وأمنية. وتواصلت المساعدات السعودية، ثم مشروعات التنمية والإعمار، دون أن تقتصر الإغاثة على المناطق المحررة؛ فقد شملت سكان المناطق الخاضعة للحوثيين، ومنها صعدة، حيث مستشفى السلام السعودي، الذي أُنشئ عام 1982 بدعم المملكة، واستمر شاهدًا على عنايتها بصحة اليمنيين منذ أكثر من أربعة عقود. تعاقبت محادثات السلام في جنيف والكويت، ومساعي الوساطة في عُمان، واتفاق ستوكهولم، دون الوصول إلى تسوية شاملة. ورغم ما تحقق من ترتيبات جزئية وتبادل للأسرى، بقي السؤال معلقًا: هل يقبل الحوثي بالدولة، أم يريد دولة تقبل بسلطته وسلاحه فوق مؤسساتها؟ وفي تقديري، كان النفوذ الإيراني عاملًا أساسيًا في تعطيل التسويات؛ فكلما اقترب اليمنيون من التفاهم، اصطدمت مصالحهم بحسابات تتجاوز حدود بلادهم. وجاء الهجوم الواسع على مأرب، الذي تصاعد عام 2021، ليكشف أولوية التوسع والسيطرة على الموارد. وقد تكبد الحوثيون في معارك مأرب، بحسب مصادر موثوقة لديّ، نحو 34 ألف قتيل، فضلًا عن المصابين. كانت كلفة فادحة دفعها اليمنيون في سبيل مشروع لم يجلب لهم أمنًا ولا تنمية. ثم بدأت الهدنة الأممية في أبريل 2022، وتواصلت عمليات تبادل الأسرى والمساعي السعودية والعُمانية. وفي أواخر 2023، أعلنت الأمم المتحدة التزامات تمهّد لخارطة طريق للسلام. لكن حرب غزة وما أعقبها من تصعيد إقليمي عرّضا تلك المساعي لخطر جديد. وفي قراءتي، استثمرت إيران وحلفاؤها أحداث 7 أكتوبر لتوسيع المواجهة وتعطيل مسارات التهدئة، وأُقحم اليمن في صراع مع أمريكا وإسرائيل، دفع سكانه ثمنه من أمنهم ومقدراتهم. وأرى أن تهديد باب المندب يمنح طهران أداة ضغط إضافية على التجارة العالمية، إلى جانب موقعها على مضيق هرمز. وهنا تتقاطع حاجتها الإقليمية مع طموح الحوثي المحلي: الاحتفاظ بالسلاح والسلطة، وتقديم نفسه قوة تتجاوز حدود اليمن. وقد يتوهم الحوثي أن الرصيد الجماهيري الذي اكتسبه عربيًا وإسلاميًا بعد حرب غزة يمنحه غطاءً لتهديد السعودية. لكن نصرة فلسطين لا تبرر الاعتداء على بلاد الحرمين، ولا تمنح جماعة مسلحة حق جر اليمن والمنطقة إلى حروب تخدم طموحاتها. وللمشروع، بحسب ما أستند إليه من مصادر ومراجع، بُعد عقائدي أيضًا؛ إذ تنسب تلك المراجع إلى «القائم اليمانيّ» هدم الكعبة والمسجد النبوي، ثم اللحاق بالإمام الغائب في العراق. وهذه، وفق معلوماتي عن خطاب الجماعة، ليست روايات بعيدة عن قناعاتها. وأنا أقرأ توظيفها سياسيًا بوصفه محاولة لإضفاء شرعية دينية على مشروع الهيمنة، لا بوصفها نبوءة أتبناها أو أقرّ بصحتها. إذن نحن أمام مشروع يتلبس بالعقيدة ويرفع راياتها لتحقيق طموح السلطة والنفوذ. وفي تاريخ الاعتداء على الحرم، من أبرهة والقرامطة إلى جهيمان، عبرة، رغم اختلاف الأزمنة والدوافع. فليس كل من رفع شعارًا دينيًا نصيرًا للدين، ولا كل من ادعى نصرة الأمة أمينًا على مقدساتها ودماء أبنائها. وكما فشلت تلك الاعتداءات، فإن مصير أي مشروع يستهدف بلاد الحرمين أن يصطدم بإيمان أهلها وإرادتهم وقدرتهم على الدفاع عنها. ومساندة اليمنيين لاستعادة دولتهم، وحماية السعودية ومقدساتها، غايتان متكاملتان؛ فعدونا هو مشروع العدوان والهيمنة، وليس الشعب اليمني الشقيق. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ونستذكر قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. وقد آن الأوان لاستعادة اليمن من أسر الحروب ومشروعات الهيمنة، مستمسكين بوعد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. @kbatarfi