في عالم تتنافس فيه الدولُ على صناعة الجاذبيَّة السياحيَّة عبر المشروعات العملاقة، والمدن الترفيهيَّة الحديثة، تمتلك المملكة العربيَّة السعوديَّة في أقصى جنوبها، ثروةً مختلفةً من نوعِها، ثروة لا تقومُ على البناء الجديد، بقدر ما تستندُ إلى عمق التاريخ. ففي نجران، لا تقفُ الآثارُ خلف واجهات المتاحف، أو داخل الصالات المغلقة، بل تنتشر فوق الصخور، وفي بطون الأودية، وعلى امتداد الجبال، شاهدةً على آلاف السنين من الحضور الإنسانيِّ والحضاريِّ. خلال الأيام الماضية، أكَّدت منظَّمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أنَّ منطقة «حِمى» الثقافيَّة في نجران تضم أكثر من 100 ألفِ نقشٍ وتصويرٍ صخريٍّ، وهو رقمٌ استثنائيٌّ يضعُ المملكةَ في المرتبة الأولى عربيًّا من حيث النُّقوش والرُّسوم الصخريَّة الموثَّقة. لكنَّ القيمة الحقيقيَّة لهذا الرقم لا تكمن في ضخامته فقط، بل في الدلالات التي يحملها، إذ تمثِّل هذه النقوش سجلًا حيًّا لحركة الإنسان في الجزيرة العربيَّة عبر آلاف السِّنين، وتوثِّق أنماطَ معيشتِه وطرق تنقُّلِه ومعتقداتِهِ وعلاقاتِه بالبيئة المحيطة. وعند مقارنة ما تمتلكه المملكة، بما هو موجود في العديد من الدول العربيَّة، تبدُو نجران حالةً استثنائيَّةً بكلِّ المقاييس. فالكثيرُ من المواقع الأثريَّة العربيَّة تتميَّز بمعابد، أو قلاع، أو مدن تاريخيَّة، لكنَّ القليل منها يمتلك هذا الكم الهائل من النُّقوش التي توثِّق تحوُّلات الإنسان عبر حقب زمنيَّة طويلة ومتتابعة. ولهذا لم يكن مستغربًا أنْ تحظى «حِمى» باهتمام عالمي، وأنْ تدرج ضمن قائمة التراث العالمي، باعتبارها أحد أبرز الشواهد الحضارية على تاريخ المنطقة. وليست «حِمى» هي الموقع الوحيد في المنطقة، فهي تختزنُ إرثًا تاريخيًّا متنوِّعًا يجعلها من أغنى مناطق المملكة بالأصول الثقافيَّة والحضاريَّة. ويأتي في مقدمة هذه الشواهد موقع الأخدود التاريخي، الذي ارتبط بقصَّة أصحاب الأخدود الخالدة، كما تحتفظ نجران بقرى تراثيَّة، ومبانٍ طينيَّة، وأبراجٍ تاريخيَّة تعكس خصوصيَّة العمارة المحليَّة، وتقدِّم نموذجًا مختلفًا عن الأنماط المعماريّة السائدة في مناطق أخرى من المملكة. ورغم هذه المقوِّمات الاستثنائيَّة، فإنَّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل استفادت نجران من ثروتها التاريخيَّة بالقدر الذي تستحقه؟ فنجران لا تحتاجُ إلى اكتشاف كنوزٍ جديدةٍ بقدر ما تحتاج إلى إعادة تقديم كنوزها الحاليَّة للعالم بطريقةٍ مختلفةٍ. فالصورة الذهنيَّة السائدة عن المنطقة ما زالت أقل بكثير من حجم ما تمتلكه فعليًّا. ولهذا فإنَّ الخُطوة الأُولى ينبغي أنْ تبدأ بإطلاق مشروعٍ وطنيٍّ شاملٍ لبناء علامة سياحيَّة خاصَّة بنجران، ترتكز على كونها العاصمة السعوديَّة للفنون الصخريَّة، وأحد أهم مراكز التراث الإنسانيِّ في المنطقة. كما أنَّ تطوير تجربة الزَّائر يمثِّل أولويَّة لا تقلُّ أهميَّة عن تطوير المواقع نفسها. فالسائحُ المعاصرُ لا يكتفي بمشاهدة النُّقوش أو التجوُّل بين الآثار، بل يبحث عن قصَّة متكاملة يعيش تفاصيلها. ومن الضروريِّ كذلك توظيف التقنيات الحديثة في عرض المواقع الأثريَّة. فإدخال تقنيات الواقع المعزز، والذكاء الاصطناعي، والتطبيقات التفاعليَّة يمكن أنْ يحوِّل زيارة المواقع التاريخيَّة إلى تجربة معرفيَّة مبهرة. تخيَّل أنْ يقفَ الزَّائرُ أمام نقشٍ صخريٍّ عمره آلاف السنين؛ لتظهر أمامه عبر هاتفه، أو نظارته الذكيَّة ترجمة النَّقش، وسياقه التاريخي، وشرح دلالاته الحضاريَّة. كما أنَّ استضافة مهرجانٍ دوليٍّ سنويٍّ للنقوش الصخريَّة والتراث الإنسانيِّ يمكن أنْ يشكِّل نقطة تحوُّل مهمَّة. فمثل هذه الفعاليات تستقطب الباحثين، والأكاديميِّين، وخبراء الآثار من مختلف أنحاء العالم، ما يعزِّز مكانة المملكة كمركزٍ دوليٍّ للحوار الثقافيِّ والمعرفيِّ. وعلى المستوى الاقتصاديِّ، يمكن للقطاع الخاص أنْ يلعب دورًا محوريًّا في تحويل التراث إلى قيمة مضافة. فالفنادق والمنتجعات والمقاهي الثقافيَّة والمتاجر المتخصِّصة بالمنتجات التراثيَّة والحرف اليدويَّة؛ قادرة على خلق سلسلة اقتصاديَّة متكاملة تستفيد من الحركة السياحيَّة، وتوفر فرص عمل لأبناء المنطقة. ومن هذا المنطلق، لا تبدُو نجران مجرَّد منطقة تزخرُ بالآثار، بل هي مشروع وطني واعد، يختزن إمكانات سياحيَّة وثقافيَّة هائلة. وإذا نجحت الجهود في استثمار هذه الكنوز، وفق رُؤية متكاملة تجمع بين الحماية والتطوير والتسويق، فإنَّ نجران لن تكون فقط موطنًا لأكبر تجمُّع للنقوش الصخريَّة في العالم العربيِّ، بل قد تتحوَّل إلى واحدةٍ من أبرز العواصم الثقافيَّة والسياحيَّة في المنطقة، وإلى نموذجٍ سعوديٍّ ملهمٍ لكيفيَّة تحويل التاريخ إلى مستقبل.