سعدت بالإهداء القيم الذي أكرمني به معالي السيد إياد أمين مدني، وهو نسخة من كتابه المتميز: «حكاية سعودية.. قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي» الذي يمثل أحدث إطلالاته الفكرية التي تجسد شخصيته المحورية في المشهدين الفكري والدبلوماسي، والتي توائم ما بين الأصالة والمدنية، فجاءت المخرجات رؤيةً حضارية تمتزج فيها معاني الأصالة ودلالات الانفتاح الواعي الذي يثري القضايا الوطنية والعربية والإسلامية.
جاء هذا السِّفر الرصين مترجماً من طبعته الأولى التي صدرت باللغة الإنجليزية لمخاطبة العقل العالمي ونقل الصورة الحقيقية عن المجتمع السعودي وتاريخه وأصالته، وقد ازدانت النسخة العربية منه بالفكر النير لمترجمه أ.د. وليد بن بليش العمري، وهو قامة أدبية تحمل الكثير من أدوات التخصص اللغوي التي مكنته من صياغة مبنى النص الأصلي للكتاب بمفردات رصينة حلَّق معها القارئ في آفاق المعاني الفلسفية العميقة التي حملت فكر المؤلف وقوة طرحه وقدراته المتميزة على التأمل والتحليل، ونقل التجارب الإنسانية، والتوقف بموضوعية عند مراحل الهوية الوطنية ومصادر الوعي المتنوعة التي امتزجت فيها رؤية التاريخ وقراءات الجغرافيا، واحترافية السياسة، ودلالات الاجتماع البشري، بما يرسم صورة استثنائية لهذه المدخلات التي اجتمعت في بناء دولة معاصرة انخرطت في مسارات التمدن والتحضُّر دون أن تفقد هويتها وخصوصيتها وأصالتها.
كتاب «حكاية سعودية» ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل هو أقرب إلى سيرة فكرية لجيل كامل، حيث ينطلق المؤلف من تعريف مغاير للوعي، فهو ليس كماً من المعلومات أو موقفاً أيديولوجياً، بل حالة متكاملة تصوغ رؤية الإنسان للعالم. ومن هنا يطرح سؤاله المركزي الكبير: كيف يمكن للإنسان السعودي أن يكون سعودياً وعربياً ومسلماً في آن واحد، وأن يتصالح مع الحداثة دون أن يذوب فيها أو ينغلق عنها؟
يتتبع الكتاب تشكل هذا الوعي عبر ثلاث محطات مكانية: المدينة المنورة بوصفها منشأً كونياً منفتحاً كان يأتيه العلماء من كل أصقاع العالم الإسلامي، ثم القاهرة عام 1958 حيث انتقل مع والده الأديب السيد أمين مدني، وهناك عاش صدمة الحداثة الأولى من خلال الصحافة والمكتبات والنقاشات السياسية، ثم جدة الستينيات كمرآة لتحولات المملكة.
ويكمن ذكاء الكتاب في بنيته، فبعد تمهيد شخصي سريع، يتراجع المؤلف ليأخذ دور الشاهد والمراقب. هو لا يروي ما فعله، بل ما رآه وفهمه. وهذا ما يسمح له بتحليل تحولات جيل الستينيات الذي آمن بالقومية العربية ثم انكسر بهزيمة 67، ثم اتجه للصحوة، ثم واجه طفرة النفط التي غيّرت كل شيء.
ويخلص معاليه إلى أطروحته الأهم: لا توجد حداثة واحدة غربية يجب استيرادها. هناك حداثات متعددة، ومن الممكن صنع حداثة سعودية تنبع من احتياجاتنا وقيمنا. الحداثة بهذا المعنى ليست قطيعة مع الماضي، بل إعادة قراءته بأدوات العصر.
الكتاب حكايةُ ذاتٍ تبحث عن معنى، وحكاية وطن يبحث عن وعي.. وقد برزت تفاصيل ذلك من خلال هذا المنجز الفكري الفريد الذي يجسد الأصالة ويعكس أنماطنا الحضارية للعالم كله برؤية إبداعية تناغمتْ مع مسارات الأدب المقارن، الذي يحملُ أبعادَ التأثُّر ودلالاتِ التأثير.