أصبح مفهومُ البلطجة شائعًا أكثرَ ممَّا نتخيَّل، ويُقصَد به -عادةً- استخدام القوَّة، أو التَّرهيب خارج إطار العُرف والنِّظام. وإذا وسَّعنا المفهوم -على سبيل المجاز- أمكننا أنْ نراه في بعض الظواهر الطبيعيَّة، ففي الكيمياء، يحلُّ عنصرُ الفلور محلَّ أخيه الكلور بعنفٍ في بعض مركَّباته، ومنها ملح الطَّعام، ونجد -أيضًا- أنَّ عنصر الصوديوم يتفاعل بعنفٍ مع الماء، فيشتعل... تخيَّل ماءً يشتعلُ! ونجد -أيضًا- أنَّ الأوكسجين يتفاعل مع الحديد في عالم الأكسدة؛ ممَّا يؤدِّي إلى إضعافه؛ لتكوين الصَّدأ. وينفقُ العالمُ مبالغَ طائلةً لمكافحةِ هذا التفاعل سنويًّا... بلطجة كيميائيَّة.
وفي عالم النباتات، نجدُ أمثلةً من الصور الغريبة للتَّنافس على الضوء، والماء، والغذاء. بعض أنواع أشجار التِّين تبدأ حياتها كبذورٍ تنبت على فروع أشجار كبيرة مضيفة، ثمَّ تمدُّ جذورها نحو الأرض، وتلتفُّ حول الشجرة الأُم؛ بهدف أنْ تضعفها وتحلَّ محلَّها. كما تُسهِم إبرُ بعض أشجار الصُّنوبر التي تسقط من فروعها على الأرض، في تغيير خصائص التُّربة المحيطة، وذلك بهدف الحد من نموِّ نباتات أُخرى. وتُفرز أزهارُ عبَّاد الشَّمس مركَّبات كيميائيَّة قد تؤثِّر في نمو الأنواع القريبة منها. إنَّها آليَّات طبيعيَّة للبقاء، لكنَّها تبدو، في القراءة المجازيَّة، وكأنَّها بلطجةٌ نباتيَّةٌ.
وفي عالم الأحياء، نجدُ بعض الأمثلة المُدهشة لطفيليَّات تغيِّر سلوك الضحيَّة بما يخدم دورة حياتها. فمنها نوع من الديدان الكبديَّة يغزو سمك «كيلي»، ويؤثِّر في سلوكه، فيجعله أقرب إلى سطح الماء، وأكثر عرضة لافتراس الطُّيور، وذلك بهدف تنتقل الديدان من أحشاء السَّمك إلى أمعاء الطُّيور التي تتغذَّى على هذه الأسماك. وهناك -أيضًا- الطفيلي المقوس الشهير باسم «جوندي»، الذي يُصيب الفئران، ويعيشُ لفترة بداخلها، ولكنَّه يرغب في العيش بداخل أمعاء القطط. ولتحقيق ذلك يعمد إلى تغيير سلوكيَّات ضحاياه من الفئران، وبالذات فيما يتعلَّق بتعاملها مع الخطر؛ بما يحقِّق افتراس القطط لها، فتكتمل دورة الطفيلي، وينتقل إلى أمعاء القطط. تبدُو هذه الظواهر أقرب إلى الخيال، لكنَّها أمثلةٌ على قدرة مخلوقات دقيقة على التَّأثير في مخلوقات أكبر منها بكثير... بلطجةُ طفيليَّاتٍ.
وننتقل إلى عالم البشر، فنجدُ أنَّ البلطجةَ منتشرةٌ في صور متعدِّدة، تبدأ -أحيانًا- من المنزل، ثمَّ تمتدُّ إلى المدرسةِ، ومقرِّ العمل. ولا تعتمد دائمًا على استخدام القوَّة المباشرة، فقد تتَّخذ شكل الضَّغط، أو التَّهديد، أو الابتزاز. وعلى مستوى العلاقات بين الدول، يكشف تاريخُ الاستعمار عن ممارساتٍ قامت على نهب خيرات دولٍ كثيرة، تحتَ ذرائعَ مخجلةٍ، على الرَّغم من رسوخ مبدأ احترام سيادة الدُّول، وحرمة أراضيها في النظام الدوليِّ الحديث. وفي هذا السياق، تبدُو ممارسات الكيانِ الصهيونيِّ صورةً سافرةً من صور البلطجةِ، ويثيرُ الاستغرابَ وجود مَن يسعى إلى تبريرِهَا.
أمنيــــــة:
يشهد العالمُ اليومَ بلطجةً حوثيَّةً غريبةً، تفتخرُ بالقتلِ والدَّمارِ، باستخدام مبرِّرات غريبةٍ وشريرةٍ. وقد امتدَّت ممارستها إلى الاعتداء السَّافر على مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، وقتل الأبرياء عمدًا؛ بهدف نشر الإرهاب، وإلحاق الضَّرر بالمنشآتِ المدنيَّة في وطننا، وفي اليمن الشَّقيق.
أتمنَّى أنْ يدركَ الجميعُ أنَّ التاريخَ سيتذكَّر التجاوزاتِ الإنسانيَّة للقتلةِ، والمخرِّبِين لأوطانِهم، وللعالمِ العربيِّ والإسلاميِّ، والبشريَّة ككل.. وحسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ.
وهُو من وراءِ القَصدِ.