أكد اجتماع طهران، الذي شارك فيه صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، إلى جانب ممثلي تركيا وباكستان والمسؤولين الإيرانيين، أهمية التحرك الإقليمي لاحتواء التصعيد وفتح الطريق أمام الحلول الدبلوماسية. ومع اتفاق المشاركين على مواصلة الحوار لتعزيز السلام والأمن الإقليميين، تبرز قيمة هذا المسار في دعم الوساطة بين واشنطن وطهران، وتيسير الوصول إلى اتفاق يجنّب المنطقة جولة جديدة من المواجهة. في تقديري، ينبغي قراءة الاجتماع ضمن هذا الهدف المحدد. فتركيز المباحثات على احتواء الصراع الإيراني الأمريكي يمنح الوساطة فرصة أفضل للعمل، ويساعد على تحديد الخطوات المطلوبة من الأطراف المعنية. أما تحميل الاجتماع جميع خلافات المنطقة، وانتظار حلول شاملة منه، فقد يضاعف العقبات ويبدد فرص التقدم في الملف الأكثر إلحاحًا. فصل المسارات، بهذا المعنى، أداة دبلوماسية تسمح بالتعامل مع كل قضية وفق أطرافها وظروفها. وقد يكون الاتفاق على منع التصعيد مدخلًا لبناء الثقة، ثم الانتقال إلى معالجة الخلافات الأعمق. المهم أن تكون الخطوات واضحة، وأن يدرك كل طرف ما يُطلب منه، وما سيحصل عليه في المقابل، وكيف يُتحقق من تنفيذ الالتزامات. وتتحرك السعودية من إدراك مباشر لكلفة الحرب على المنطقة. فالتصعيد بين إيران والولايات المتحدة تتجاوز تداعياته حدود الطرفين، وتمتد إلى أمن الخليج والممرات البحرية وإمدادات الطاقة وحركة التجارة والاستثمار. ولذلك، فإن العمل لمنع اتساع المواجهة يرتبط بحماية المصالح السعودية، وبتهيئة البيئة المستقرة التي تحتاج إليها مشروعات التنمية في المنطقة كلها. هذه معادلة أساسية في السياسة السعودية: حماية الوطن مسؤولية لا تقبل المساومة، وبذل الجهد لإطفاء الحرائق ضرورة تفرضها المسؤولية ذاتها. فالدولة التي تستثمر في مستقبل شعبها تدرك أن الاستقرار رصيد ينبغي حمايته، وأن الدبلوماسية الفاعلة تستطيع تقليل الأخطار قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها. وتمنح مشاركة تركيا وباكستان هذا التحرك وزنًا إضافيًا. فالدول الثلاث تمتلك علاقات وقنوات اتصال وقدرات سياسية وأمنية تساعدها على نقل الرسائل وتقريب المواقف. كما أن حضور مسؤولين دفاعيين وأمنيين يتيح مناقشة المخاوف وإجراءات التهدئة بقدر أكبر من التفصيل، بما يساعد الوسطاء على صياغة مقترحات قابلة للتنفيذ. ويؤكد هذا المسار، في تقديري، الطبيعة الدفاعية لحلف مكة، وقدرته على الإسهام في منع النزاعات وتعزيز الاستقرار. فالتعاون الدفاعي يحقق غايته حين يحمي أمن أعضائه، ويعزز قدرتهم على التأثير في البيئة المحيطة بهم، ويدعم فرص تسوية الأزمات بالوسائل السياسية. أمام إيران فرصة ينبغي النظر إليها من زاوية مصالح شعبها وأمنه ومستقبله. فوجود قوى إقليمية تسعى إلى تقريب المسافة بينها وبين الولايات المتحدة يتيح مساحة للعمل الدبلوماسي، ويساعد على البحث عن تفاهمات تراعي المخاوف المتبادلة. لكن الوسطاء، مهما امتلكوا من تأثير، لا يستطيعون اتخاذ القرارات الصعبة نيابة عن أطراف الصراع. والأمر نفسه ينطبق على واشنطن؛ فنجاح الوساطة يحتاج إلى استعداد متبادل للتفاوض، وصياغة مطالب قابلة للبحث، والالتزام بما يجري الاتفاق عليه. وإذا كان كل طرف ينتظر من الآخر تقديم جميع التنازلات أولًا، فإن الجمود سيستمر، وقد تصبح التطورات الميدانية أسرع من قدرة الدبلوماسية على احتوائها. ومن هنا، تبدو أهمية التدرج في بناء الاتفاق: خطوات متبادلة لخفض التصعيد، وضمانات واضحة للتنفيذ، وآليات اتصال تمنع سوء الفهم، ثم مفاوضات تتناول القضايا الأوسع. وقد يساعد الاتفاق على ترتيب هذه الخطوات وتوقيتها في تجاوز عقبة الثقة، بدل مطالبة الأطراف باستعادتها كاملة قبل بدء العمل. ولا ينبغي تحميل بيان طهران أكثر مما أعلن. فالاتفاق على استمرار الحوار يمثل نتيجة أولية مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات حدوث اختراق. كما أن اقتصار البيان على عبارات عامة لا يعني فشل الاجتماع؛ فبعض التفاهمات تحتاج إلى مزيد من الاتصالات قبل الإعلان عنها. والحكم الأدق يبقى مرتبطًا بما يتبع اللقاء من إجراءات ومواقف. تذهب السعودية إلى الدبلوماسية وهي تعرف ما تريد: أمنًا يحفظ سيادتها، واستقرارًا يحمي مكتسباتها، ومنطقة تتسع للتنمية والتعاون. وقد فتح اجتماع طهران مجالًا لمواصلة الجهد، وتبقى المسؤولية على أطراف الصراع لتحويل هذه الفرصة إلى اتفاق. فالوساطة تستطيع تيسير الطريق، أما السير فيه فيحتاج إلى قرار سياسي يدرك أن كلفة التسوية، مهما صعبت، قد تكون أقل بكثير من كلفة الحرب. @kbatarfi