ينفقُ العالمُ مليارات الدولارات على استكشاف الفضاء، ويرسلُ مركباتٍ إلى القمر والمرِّيخ، لكنَّ هناك عالمًا آخرَ أقرب إلينا بكثيرٍ لا يزال يحملُ أسرارًا هائلةً، هو أعماق البحار والمحيطات. تغطِّي المحيطاتُ معظم سطح الأرض، ومع ذلك ما زالت مناطقُ واسعةٌ من قاعها بحاجةٍ إلى مزيد من الاستكشاف والدراسة، وتُوجد في الأعماق بيئاتٌ شديدةُ القسوة، وضغطٌ هائلٌ، وظلامٌ دائمٌ تقريبًا، وكائناتٌ بحريَّةٌ لم يفهم العلماءُ جميع أسرارها. وقد قادت دولٌ مثل الولايات المتحدة، واليابان، وفرنسا برامج متقدِّمة لاستكشاف المحيطات، وتستخدم مؤسَّسات مثل NOAA في الولايات المتحدة سفنًا ومركباتٍ روبوتيَّة لجمع البيانات، ورسم الخرائط، ودراسة الحياة البحريَّة. وتبرز كليَّة الدراسات البحريَّة بجامعة الملك عبدالعزيز نموذجًا مهمًّا للاستثمار في الكفاءات البحريَّة، من خلال تأهيل المتخصِّصين في الملاحة والهندسة البحريَّة، والمساحة، والنقل البحريِّ، وتمثِّل مثل هذه المؤسَّسات خطوةً أساسيَّةً نحو بناء اقتصادٍ أزرق متقدِّم، والاستفادة من الثَّروات والفرص التي توفِّرها البحار. ولا يقتصر الهدف على اكتشاف كائنات جديدة، فاستكشاف البحار يساعد على فهم المناخ، ومراقبة التلوث، ودراسة التيارات، واكتشاف الموارد، وفهم التغيرات التي تؤثر في الحياة على سطح الأرض. وتلعب الروبوتات دورًا متزايدًا في هذا المجال، إذ تستطيع الغوص إلى أعماق لا يستطيعُ الإنسانُ الوصولَ إليها بسهولةٍ، والتَّصوير، وجمع العيِّنات، وإرسال البيانات إلى الباحثين. كما يمكن أنْ تقود دراسة الكائنات البحريَّة إلى اكتشاف مواد جديدة لها تطبيقاتٌ في الطبِّ والصناعةِ، وقد أصبحت التقنيات الحيويَّة البحريَّة مجالًا بحثيًّا مهمًّا في عدد من الدول. ومن المنظور الإسلاميِّ، فإنَّ التفكُّر في خلق الله، واكتشاف أسرار الكون والطبيعة، يفتح أمام الإنسان بابًا واسعًا للمعرفة. وقد ورد في القران الكريم: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾. قد لا يكونُ المطلوب أنْ نختار بين الفضاء والبحر، بل أنْ نعطي البحار ما تستحقُّه من اهتمامٍ علميٍّ. فربما تكون بعض أعظم اكتشافات المستقبل ليست على المرِّيخ، وإنَّما في أعماق المحيط الذي يغطِّي كوكبنا.