لا أدري لماذا ارتبط مفهومُ التطوُّع -عند بعضنا- بعدد السَّاعات التي يسجِّلها المتطوِّع، أو الشِّهادة التي يحصلُ عليها، أو الصُّورة التي تجمعُ المشاركين بعد انتهاء المناسبة؟ مع أنَّ العمل التطوُّعيَّ في أصلهِ علاقةٌ بين الإنسان ومجتمعه، تبدأُ من شعوره بمسؤوليَّته تجاه الآخرِين، ولا تنتهي بانتهاء المهمَّة التي شارك فيها.
ولستُ هنا بصدد التَّقليل من شأن المبادرات التطوعيَّة، أو إنكار الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهاتُ المعنيَّةُ. فلدينا شبابٌ يستحقُّون التقدير، وجدُوا في التطوُّع مجالًا لاكتساب الخبرة، وتنمية مهاراتِهم، والتعرُّف على احتياجات المجتمع، وهذه مكاسبُ لا يُستهان بها، خاصَّةً أنَّ بعض التجارب التطوعيَّة قد تمنح الشاب من المعرفة ما لا يجده في مقاعد الدِّراسة.
لكنَّني أتساءلُ عن ذلك الفارقِ بين أنْ نمارسَ التطوُّع باعتباره نشاطًا محدَّدَ المدَّة، وأنْ نؤمنَ به باعتباره سلوكًا اجتماعيَّا؟ فالأوَّل قد ينتهي بتسليم شهادةِ المشاركة، أمَّا الثَّاني فيبقَى مع الإنسان في بيتهِ، وشارعِهِ، وحيِّهِ، وفي علاقته بمَن حوله، ولا أجدُ تعارضًا بين الأمرَين، ما دامت الوسيلةُ لا تتقدَّم على الغايةِ.
وقد كتبتُ -من قبل- عن بعض المظاهر التي اختزلت العمل التطوعيَّ في التَّوثيق، والأرقامِ، وأعودُ إلى الموضوع؛ لأنَّني أرى أنَّ القضيَّة أوسعُ من مجرَّد نقدِ صورةٍ، أو شهادةٍ، إنَّها تتَّصل بالطريقة التي نفهمُ بها مسؤوليَّتنا الاجتماعيَّة، وبقدرتِنا على تحويلِ الخيرِ من مناسبةٍ عابرةٍ إلى ممارسةٍ يوميَّةٍ لا تنتظر مَن يدعُو إليها.
خذُوا مثلًا، بعض الأحياءِ السكنيَّة تمرُّ بشارعٍ فتجدُ أشجارَه مزروعةً بعنايةٍ، ومحيطَه نظيفًا، وسكَّانَه يتعاونُونَ على المحافظةِ عليه. تسأل عن الجهةِ التي تولَّت ذلك؟ فتكتشف أنَّ الأهالي هُم الذين بادرُوا، كلٌّ بما يستطيع، لم ينتظرُوا مناسبة تطوعيَّة، ولم يحتاجُوا إلى إعلانٍ أو شهادةٍ كانُوا يرونَ أنَّ المكان الذي يعيشُون فيه يستحقُّ منهم بعض الاهتمام.
وفي أحياءٍ أُخرى قد تجدُ الصُّورة مختلفةً. لا أشجارَ يعتنِي بها السكَّانُ، ولا مبادرات مشتركة، وربَّما لا يعرفُ الجارُ مَن يسكن بجوارِهِ إلَّا معرفة عابرة. وليس من الإنصاف أنْ نفسِّر ذلك بغياب الرغبة في الخير، فقد تكون المشكلةُ في ضعف الرَّوابط الاجتماعيَّة، أو غياب مَن يجمع النَّاس حول مصالحهم المشتركة، وهنا تحديدًا تظهرُ الحاجةُ إلى عملٍ اجتماعيٍّ يتجاوزُ إقامة المناسبات.
ومنذ سنواتٍ ونحنُ نسمعُ عن مراكز الأحياء، ودورها في تنمية العلاقات بين السكَّان، ولا أشكُّ في وجود تجاربَ ناجحةٍ تستحقُّ الإشادة، لكنَّني أتمنَّى أنْ نرى حضورَ هذه المراكز في تفاصيل الحياة اليوميَّة بصورةٍ أوسعَ، فنجاحُ المركزِ لا يُقَاس بعددِ المناسبات التي نظَّمها وحدها، وإنَّما بقدرتهِ على جعل سكَّان الحيِّ أكثرَ معرفةً ببعضِهم، وأكثرَ استعدادًا للتعاونِ دون انتظار دعوةٍ رسميَّةٍ.
وليس التطوُّع مقصورًا على توزيع عبوَّات المياه أمام المساجد، على ما في هذا العمل من أجرٍ وفائدةٍ، ولا على المشاركة في تنظيم الفعاليَّات. فهناك طالبٌ يحتاجُ إلى مَن يُعينه في دراستهِ، ومُسنٌّ يفتقدُ مَن يتفقَّد أحوالَه، وأسرةٌ تحتاجُ إلى خبرةٍ لا تملكها، وحيٌّ يمكنُ أنْ تتغيَّر صورته بمبادراتٍ صغيرةٍ يتقاسمُ مسؤوليَّتها سكَّانُه. وكل ذلك من العمل الإنسانيِّ الذي قد لا تصاحبُه كاميرا، ولا يجدُ طريقه إلى سجلَّات الإنجاز.
ولا أرى ما يمنعُ أنْ يحصلَ المتطوِّعُ على حافزٍ، أو شهادةِ تقديرٍ، فالنَّاسُ تختلفُ دوافعهم، وقد يبدأ الإنسانُ بحثًا عن منفعةٍ شخصيَّة، ثمَّ يكتشفُ قيمة العطاء. لكنْ ما يستحقُّ المراجعة هو أنْ تتحوَّل الحوافزُ إلى المقياس الوحيد للنَّجاح، وأنْ ينشغل القائمُون على المبادراتِ بعدد المشاركين أكثر من انشغالهم بما تحقَّق للنَّاس من منفعةٍ.
إننا بحاجة إلى ثقافة اجتماعية تجعل المبادرة أمرًا مألوفًا، وتمنح الإنسان شعورًا بأنَّ له دورًا في تحسين حياة الآخرين. وهذه مسؤولية تشترك فيها الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الاجتماعية، وتحتاج إلى مَن يزرع الفكرة، ويتابع نموَّها، لا إلى مَن يكتفي بإعلان نتائجها.
ولعلَّ السُّؤالَ الذي يستحقُّ أنْ نطرحَه على أنفسنا: ليس كم ساعة تطوَّعنا هذا العام؟ أو كم شهادة حصلنا عليها؟ وإنَّما ماذا تغيَّر في حياةِ مَن حوَلنا؛ بسبب ما قدَّمناه؟ وهل استطعنا أنْ نجعل من التطوُّع عادةً اجتماعيَّةً تتوارثُها الأجيالُ، أمْ أنَّنا ما زلنا نربطه بمواعيد المبادراتِ، ونهاياتِ المناسباتِ؟
وأخيرًا.. قد تكون الشِّهادة وثيقةً تحفظُ حقَّ المتطوِّع، وتقدِّر جهده، وقد تكون الصُّورةُ ذكرَى جميلةً لمشاركة إنسانيَّة، لكن المجتمع لا يحتفظُ في ذاكرته بعددِ الشِّهادات التي حصل عليها أبناؤه، وإنَّما بما تركُوه في حياةِ بعضِهم من خيرٍ.
* نقطة تحت السطر:
ليسَ المُهم أنْ يعرفَ النّاسُ أنَّنا تطوَّعنا، المُهم أنْ يجدُوا أثرًا لما فعلنَاهُ، حتَّى لوْ لمْ يعرفُوا مَن فعلَهُ.