قد تستغربُ من العنوان، وربما تتساءلُ: ما الحكاية وراء كرسيٍّ لا أحتاج إليه سوى لدقيقتين؟ أحيانًا، تختبئ خلف أبسط الطلبات حكاياتٌ تكشف الكثير عن طبيعة تعاملنا مع الآخرين، وعن إنسانيتنا حين لا يكونُ وراء المساعدة مقابل أو منفعة. القصَّة في شارع البترجي، كنتُ أنتظرُ سائقي، بعد أنْ انتهيت من قهوتي. كنتُ متعبةً، وأشعرُ بآلامٍ في عظامي تجعل الوقوف مرهقًا. بالقرب منِّي، كان هناك مطعمٌ شبه خالٍ، فطلبتُ من أحد الموظَّفين أنْ يسمحَ لي بالجلوس لدقيقتين حتَّى أستريح. لم أطلب طعامًا أو شرابًا، ولم أكنْ أبحثُ عن خدمة مجانيَّة؛ كل ما احتجته كان مقعدًا ألتقطُ عليه أنفاسي، قبل مواصلة طريقي. لكنَّه رفض. كانت الكراسي الخارجيّة متاحة، ومع ذلك لم يُتح لي الجلوس. لم يكن ما استوقفنِي مجرَّد رفض طلب بسيط، بل السؤال الذي تركه في ذهني: ماذا نخسرُ حين نمتنعُ عن تقديم مساعدةٍ يسيرةٍ، بينما نملك القدرة على تقديمها؟ لم أدخل في جدال معه. اكتفيتُ بتذكيره بأنَّ الحياة تتغيَّر، وأنَّ الإنسان الذي يقف اليوم دون مشقَّة قد يجد نفسه غدًا في حاجة إلى مَن يخفِّف عنه تعب الوقوف. وربما يجد نفسه يومًا في الموقف ذاته، فلا يتمنَّى سوى أنْ يمنحه أحدُهم بضع دقائق من الراحة. ثمَّ مضيتُ. ما جعل الموقف أكثر لفتًا للانتباه، أنَّني مررتُ، قبلها بوقت قصير، بتجربةٍ مختلفةٍ تمامًا. ففي أحد الكافيهات، سمحت لي موظَّفة بالجلوس والانتظار دون أنْ تطلب منِّي شراء شيءٍ. وحين هممتُ بالمغادرةِ، اشتريتُ طعامًا لم أكن أحتاجُ إليه، تعبيرًا عن امتنانِي لموقفٍ لم تكن فيه المساعدةُ مشروطةً بأيِّ مقابل. موظَّفة منحتني مساحةً من تلقاء نفسها، بينما رفض موظَّف آخر أنْ يمنحني دقائق قليلة رغم توافر المكان. وبين التجربتين، أدركتُ أنَّ الفارق لم يكن في المكان أو تجهيزاته، بل في طريقة الأسلوب. بالطبع، لكل منشأة أنظمتها، وليس مطلوبًا من أيِّ مكان أنْ يتخلَّى عن ضوابطه. لكن ثمة فرقًا بين احترام النظام وتطبيقه بمرونةٍ حين تسمح الظروف، وبين إغلاق الباب أمام كل استثناء، مهما كان بسيطًا. رسالتي إلى أصحاب المطاعم والكافيهات والمحلَّات: علِّموا موظَّفيكم أنَّ جودة التعامل لا تبدأ عند تسجيل الطلب، ولا تنتهي عند دفع الفاتورة. فالنَّاسُ لا يدخلُون الأماكن العامة بصفتهم مستهلكِين فحسب؛ قد يدخل أحدُهم بحثًا عن الرَّاحة، أو بدافع الفضول لاكتشاف المكان، ثمَّ يعود إليه لاحقًا أو يوصي به الآخرِين. وأحيانًا، يكون الموقفُ الإنسانيُّ البسيطُ سببًا في تكوين علاقة طويلة مع المكان، أكثر تأثيرًا من أيِّ حملة إعلانيَّة. قد ينسى المرءُ مذاق القهوة مع مرور الوقت، لكنَّه يتذكَّر كيف عُومل حين احتاج إلى شيءٍ بسيطٍ. لم أكنْ أحتاجُ إلى أكثر من كرسيٍّ لدقيقتين، لكنَّ الموقف دفعنِي إلى التفكيرِ في سؤال أكبر: هل نقيسُ نجاح الأماكن بما تبيعه فحسب، أم أيضًا بما تتركه في نفوس النَّاس؟ أرى أنَّ الإنسانيَّة ليست تفصيلًا إضافيًّا في جودة الحياة، ولا مجاملة نقدِّمها حين ننتظر مقابلًا. إنّها جزءٌ أصيلٌ من احترامنا بعضنا بعضًا. * من النافذة: الإنسانيَّةُ ليست سلعةً تُبَاع، والاحترامُ لا ينبغِي أنْ يتوقَّف عند بابِ المتجرِ.