منتدى

السعودية وفلسطين.. عقود من الثبات لا المتاجرة

غازي العوني 28 أكتوبر 2026 23:17 3 دقائق قراءة
ساندت المملكةُ العربيَّة السعوديَّة القضيَّة الفلسطينيَّة من عقودٍ طويلةٍ، ولم تكن مساندتها موسميَّةً ولا مرتبطةً بمزاجٍ سياسيٍّ عابرٍ، بل كانت موقفَ مبدأ ثابتٍ، نابعًا من مسؤوليَّتها العربيَّة والإسلاميَّة، ومن إيمانها بأنَّ فلسطين ليست ورقة تفاوض، بل قضيَّة شعبٍ عربيٍّ، ومقدَّسات أمَّةٍ إسلاميَّةٍ.
ومنذُ عهد المؤسِّس الملك عبدالعزيز -طيَّب اللهُ ثرَاهُ- إلى عهد خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، بقيت البوصلةُ السعوديَّةُ واحدةً: صمود الشَّعب الفلسطينيِّ، ووحدة صفِّه، وحفظ حقِّه في دولتهِ المستقلَّة وعاصمتها القُدس الشرقيَّة.
إنَّ المتاجرة بالقضيَّة الفلسطينيَّة، هي أنْ ترفعَ شعارها في العلن، وتطعنَ أهلها في الخفاءِ. وهي أنْ تستخدمَ معاناة الشَّعب الفلسطينيِّ لتمرير أجنداتٍ حزبيةٍ، أو لتوسيع نفوذٍ إقليميٍّ، والسعوديَّةُ لم تفعلْ ذلك يومًا.
لم توظِّف القضيَّة لخدمة مشروعٍ حزبيٍّ، ولم تستخدمها منصَّةً للمزايداتِ الإعلاميَّة، ولم تجعل من دمِ الفلسطينيِّ مادةً للشعاراتِ. بل قدَّمت دعمها بصمت الكبار: مالًا لإغاثة المحتاج، ودعمًا سياسيًّا في المحافل الدوليَّة، ومواقفَ حازمةً في وجه محاولات تصفيةِ القضيَّة.
ولم يكن الدعمُ السعوديُّ بالكلامِ فقط. فمنذُ حرب 1948، اصطفت المملكةُ مع الجيوش العربيَّة في ميادين الشَّرف، وأرسلت جنودَها، وقدَّمت شهداءَها دفاعًا عن الأرض الفلسطينيَّة، إيمانًا منها بأنَّ فلسطين قضيَّة كلِّ عربيٍّ ومسلمٍ. واستمرَّ هذا النهجُ في كلِّ المحطَّات دعمًا عسكريًّا وسياسيًّا وماليًّا، حتَّى أصبحت القضيَّة الفلسطينيَّة هي القضيَّة الأُولى للمملكةِ في كلِّ قمَّة عربيَّة وإسلاميَّة ودوليَّة.
من أخطر ما أصاب القضيَّة الفلسطينيَّة، هو تفكيكُ الصفِّ الفلسطينيِّ، وتحويله إلى فصائلَ متناحرةٍ، تخدمُ كلُّ واحدةٍ منها أجندة خارجيَّة. وهنا كان الموقفُ السعوديُّ واضحًا: وحدةُ الصفِّ الفلسطينيِّ هي القوَّة الأُولى.
ولذلك رعت المملكةُ اتِّفاق مكَّة عام 2007، وجمعت الفرقاء الفلسطينيِّين في أطهر بقاع الأرض؛ ليتَّفقُوا على كلمةٍ سواء. لم تدعم فصيلًا ضدَ آخر، ولم تغذِِّ انقسامًا، بل دعت دائمًا إلى حكومةِ وحدةٍ وطنيَّةٍ تمثِّل كلَّ الفلسطينيِّين. في الوقت الذي كانت فيه أطرافٌ أخرى تغذِّي الانقسام، وتدعم طرفًا لضرب طرفٍ، كانت الرياضُ تدعُو إلى لمِّ الشَّمل.
هناك مَن أطلقَ يدَ التطرُّف والإجرام على الشعب الفلسطينيِّ نفسه، فجعل من بعض أبنائِه أداةً للقتل، والتَّرويع، وزرع ميليشيات تحملُ السِّلاح في وجه أبناء جلدته.
أمَّا السعوديًّةُ، فكانت دائمًا مع المقاومةِ، من أجل الصُّمود والثَّبات، المقاومة بمعناها الحقيقيِّ: ثبات الإنسان في أرضهِ، وصموده في وجهِ التهجير، وبقاؤه متجذِّرًا في وطنه، وتعليمه لأبنائِه، وزرعه لأرضِه، وحفاظه على مقدساتِهِ.
فالدعمُ السعوديُّ ذهبَ لبناء المستشفيات والمدارس، ودعم ميزانيَّة السُّلطة؛ لتدفع الرواتب، وإغاثة اللاجئِين عبر مركز الملك سلمان، لا لشراء فوضى تدمِّر المجتمع من داخله.
مقاومة الصُّمود هي التي تحفظُ الأرضَ، أمَّا مغامراتُ التطرُّف فهي التي تفرِّغ الأرض من أهلها.
وبهذا الثبات، وبهذا النَّهج الذي يجمع بين الدعم الميدانيِّ، ووحدة الصفِّ، وصمود الشعب، قادت المملكةُ الجهودَ حتى اتَّفق المجتمعُ الدوليُّ والعربيُّ على أنَّ الحلَّ العادل هو حلُّ الدولتَينِ: دولة فلسطينيَّة مستقلة، عاصمتها القُدس الشرقيَّة، تعيشُ بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل. وهو الحلُّ الذي تبنَّته المبادرةُ العربيَّةُ للسَّلام عام 2002، وأصبح اليوم هو الإجماع العربي والدولي، والمرجعيَّة التي لا يمكن تجاوزها.

أخبار ذات صلة