لكلِّ شخصٍ في هذه الحياة أسلوبُه الخاص في الكتابةِ والحديثِ، وبصمتُه التي تميِّزه عن غيره؛ فالأفكارُ ربما تتشابه، والموضوعاتُ ربما تتكرَّر، والمصادرُ قد تتقاطع، لكنَّ طريقة التَّعبير والعرض تظل متباينةً؛ لأنَّها تعكسُ شخصيَّة الكاتب، وطبيعة تفكيرِه، وخبراتِه، ومخزونِه الثقافيِّ واللُّغويِّ. ومن هنا، فإنَّ قيمة الكتابة لا تكمنُ في نقل المعلومات فحسب، بل في الكيفيَّة التي نعيدُ بها صياغتها، ونعبِّر عنها، ونصبغها من أفكارنا ورؤيتنا؛ ما يجعلها تحمل هُويَّتنا الخاصَّة.
لكنَّنا في الآونة الأخيرة، نكادُ نجزمُ بوجود ظاهرةٍ تستحقُّ التأمُّل، وهي التشابهُ المتزايدُ بين النصوصِ والإعلاناتِ والخطاباتِ والمقالاتِ، حتَّى بات من الممكن ملاحظة العبارات ذاتِها، والتراكيبِ المتكرِّرة، وطريقة العرضِ المتشابهةِ، وكأنَّها صادرةٌ عن قلمٍ واحدٍ، رغم اختلاف الكُتَّابِ والموضوعاتِ. والسَّبب يعود إلى الانتشار الواسع لأدوات الذكاءِ الاصطناعيِّ، وفي مقدِّمتها شات جي بي تي (chatgpt).
وفي السياق ذاته، نجدُ المطَّلعَ الذي يقرأُ نصوصَ شخصٍ ما على نحوٍ متكرِّرٍ يستطيع -غالبًا- أنْ يتعرَّف على مفرداتِه، وطريقتِه في بناء الأفكار وعرضها؛ إذ تتشكَّل للكتابة، بمرور الوقت، ملامح أسلوبِه الخاص، والتي تصبحُ جزءًا من هُويَّة صاحبها. أمَّا حين تتكرَّر العباراتُ الجاهزةُ، وتتشابهُ الصِّياغاتُ، فإنَّ النصَّ يفقدُ شيئًا من خصوصيَّته، وتتضاءلُ المسافةُ الفاصلةُ بين كاتبٍ وآخرَ. ويظهر ذلك بوضوحٍ في بعض الإعلانات، والخطابات، والمقالات، التي يُفترض أنْ تعكسَ هُويَّة الجهة المصدرة لها.
ويجبُ أنْ ننبِّه إلى أنَّ المسألة لا تتعلَّق بمجرَّد التشابهِ في تكرار الكلماتِ، بل تتجاوز إلى سؤالٍ أعمقَ يفرضُ نفسه: ماذا يحدث لمهاراتِنا في التفكير والكتابة، حين نعتمدُ كثيرًا على النصوصِ الجاهزةِ؟ إنَّ سهولة الحصول على إجاباتٍ وصياغاتٍ مكتملةٍ تقلِّل من فُرص ممارسة التَّفكير المستقل، وبناء الفرضيَّات، وتطوير القدرة على التَّعبير العميق.
أضف إلى ذلك، أنَّ الاعتياد على لُغة نمطيَّةٍ جاهزةٍ يؤثِّر في علاقتنا باللُّغة نفسها؛ فاللُّغةُ ليست مجرَّد وسيلة لنقل المعلومات، بل هي أداة للتفكير، ووسيلة للفهم والتَّعبير عن المشاعر والتجارب الإنسانيَّة. وحين نعتادُ أنْ نفكِّرَ ونكتبَ وفق قوالب لُغويَّة موحَّدة، فإنَّنا نضعف مهارات التأمُّل والابتكار؛ ممَّا يؤدِّي إلى أنْ تصبح كتاباتُنا أكثرَ انتظامًا من الناحية الشكليَّة، لكنَّها أقل تعبيرًا عن تجاربنا الفعليَّة.
ومن المهم -أيضًا- ألَّا نغفل أهميَّة أدوات الذكاء الاصطناعيِّ، التي من المؤكَّد أنَّها وسيلة نافعة لتطوير الكتابة، وتنظيم الأفكار، لا بديلًا عنه. فالمشكلة ليست في استخدام شات جي بي تي -في حدِّ ذاتِه-، وإنَّما في الاعتماد الكليِّ على استخدامه؛ ممَّا يجعلنا نتلقَّى الأفكار والصياغات ذاتها، ونكرِّرها دون وعيٍ.
ويجبُ أنْ نركِّز على أنَّ التحدِّي الحقيقي الذي يفرضه الذكاءُ الاصطناعيُّ لا يتمثَّل في قدرته على الكتابة نيابةً عنا، بل في قدرتنا على الحفاظ على استقلاليَّة تفكيرنا، فهل نستخدم هذه الأدوات لتوسيع مداركنا، وتطوير مهاراتنا، أم نسمح لها -بمرور الوقت- بأنْ تُعيدَ تشكيل طريقة تفكيرنا، وكتابتنا، وتعبيرنا حتى عن مشاعرنا؟
وفي مجمل القول: إنَّ السُّؤال الذي ينبغي أنْ نتوقَّف عنده لا يتعلَّق بمدى قدرة الذكاء الاصطناعيِّ على إنتاج نصوصٍ جيدة، فالتحدِّي ليس أنْ نكتبَ كما تكتبُ الآلةُ، وإنَّما أنْ نحافظ على مهاراتِنا في التفكير والكتابة؛ لأنَّ لكلٍّ منَّا رؤيتَه وأسلوبَه وصوتَه وهُويَّتَه الخاصَّة، وقلمَه الرَّصين الذي لا ينبغي أنْ يذوبَ في تشابه النصوص وتكرارها.