كتاب

عبر القصيم.. وطن تتصل أطرافه بالعالم

د. خالد محمد باطرفي 31 أكتوبر 2026 10:39 4 دقائق قراءة
لأول مرة، يمر طريقي إلى الرياض عبر القصيم. وللسفر قدرة عجيبة على فتح نوافذ الذاكرة؛ فما إن تتغير الطريق حتى تستحضر طرقًا سلكتها، ومدنًا عرفتها، ووجوهًا رافقتك، ومواقف بقي أثرها بعد مضي السنين. وفي هذه الرحلة، وجدتني أستعيد زيارات أخذتنا فيها القوات المسلحة، نحن أهل الصحافة والإعلام، إلى قواعد ومدن عسكرية، لنتعرف على ما يجري خلف أسوارها من بناء وإعداد وتطوير.
كانت تلك الزيارات بتوجيه من الملك عبدالله، إبان رئاسته للحرس الوطني، والأمير سلطان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، رحمهما الله. وقد مرت عليها عقود، لكن الشعور الذي خرجت به منها لم يفارقني: نحن بأيدٍ أمينة، وخلف حياتنا اليومية رجال يستعدون ويسهرون ويتدربون، وقيادة تدرك أن حماية الوطن تبدأ قبل أن يطرق الخطر أبوابه.
لفت نظري يومها أن المواقع التي زرناها لم تكن مزدحمة بالشعارات والدعايات السياسية، كما نرى في بعض البلدان. كانت هناك لوحات تزيّنها آيات قرآنية، وعمل يتحدث عن نفسه، وانضباط يكشف طبيعة المهمة. فجيش ابن سعود لم يعبد إلا الله، ولم ينحنِ لغير خالقه، وكانت رسالته الدفاع عن بلاد الحرمين وخدمة الإسلام والمسلمين. ومنذ تأسيس البلاد، توارث ولاة أمرنا مسؤولية إعداد أبنائها وتجهيزهم لحراسة الوطن وصون أمنه.
ذلك الاطمئنان يشبه شعورنا صغارًا حين كان آباؤنا يرفعوننا إلى الأعلى، فنضحك، واثقين بأن أيديهم ستتلقانا ونحن نهبط. إنها الثقة التي تجعل الإنسان يمضي في حياته، ويخطط لغده، ويبني بيته، ويرسل أبناءه إلى مدارسهم، مطمئنًا إلى أن هناك من يحمل أمانة الحماية.
حكيت لزوجتي، التي ترافقني في هذه الرحلة، كيف كنا نتابع في الرياض اعتراض صواريخ صعدة وطهران، ثم نعود إلى أحاديثنا وأعمالنا. تصل رسالة الإنذار، فنأخذ حذرنا، ثم تأتي رسالة انتهاء الخطر لتؤكد ثقتنا بالله، ثم برجال دفاعنا الجوي. وخلف هذه اللحظات التي تمر سريعًا في حياة الناس، سنوات من التدريب، واستثمارات في التجهيز والتقنية، ويقظة لا تعرف التوقف. وما أعظم قيمة الأمن حين يحفظ للناس قدرتهم على مواصلة الحياة.
وصلنا إلى مطار الأمير نايف بن عبدالعزيز الدولي، الذي أزوره لأول مرة بعد تطويره، ووجدت أمامي أكثر من وسيلة لإكمال الرحلة إلى الرياض: الطائرة إلى مطار الملك خالد، أو القطار الحديث، أو سيارة مستأجرة على الطريق السريع. اخترت السيارة، مستحضرًا نعمة توافر هذه البدائل، وما تمنحه للمسافر من مرونة وطمأنينة.
قد تبدو المفاضلة بين رحلة جوية وقطار وسيارة مسألة يومية بسيطة، لكنها في حقيقتها ثمرة مسيرة طويلة من التنمية. فخلف كل خيار مطار أو محطة أو طريق، وشبكة خدمات، وكفاءات تشغّلها وتعتني بها. وحين تتعدد الخيارات، تصبح قدرة الإنسان على العمل والسفر والعلاج وزيارة أهله أكبر، وتصبح البلاد أقدر على استمرار الحركة في الظروف المختلفة.
وعلى الطريق، اتسعت خريطة الرحلة في ذهني. دعوت الله أن يتم علينا نعمه باستكمال شبكة القطارات التي نطمح إليها: من العاصمة إلى جدة، ومنها إلى الجنوب؛ ومن القصيم إلى المدينة المنورة، ومنها إلى تبوك، فالأردن والشام وتركيا؛ ومن الدمام إلى بقية مدن الخليج؛ ومن جدة إلى جازان على الساحل الجنوبي. إنها تطلعات إلى شبكة تقرّب المسافات، وتفتح أبوابًا للعمل والسياحة والتجارة، وتصل بين المدن والناس والمصالح.
وللقصيم مكانها في هذه الصورة. فمن أرضها انطلقت قوافل «العقيلات» إلى العراق والكويت شرقًا، وإلى فلسطين والشام شمالًا، وإلى مصر غربًا. حمل رجالها البضائع، وبنوا العلاقات، وعرفوا الطرق والأسواق وطبائع المجتمعات. وكان رأس مالهم، إلى جانب تجارتهم، الخبرة والصبر والثقة التي اكتسبوها بين الناس.
وقبلهم، عرفت مكة المكرمة رحلتي الشتاء والصيف إلى اليمن والشام، وكانت حلقة وصل في طرق التجارة التي تحمل خيرات الجنوب إلى الشمال. لذلك، فإن طموح السعودية إلى أن تصبح مركزًا عالميًا للنقل والتجارة يستند إلى موقعها وتاريخها، ويعيد توظيفهما بأدوات العصر وإمكاناته.
نحن في قلب العالم، وهذه ميزة تزداد قيمتها بقدر ما نحسن استثمارها. فالموقع يحتاج إلى مطارات وموانئ وطرق وسكك حديدية، وإلى أنظمة تسهّل حركة البضائع والمسافرين، وخدمات تجعل المرور عبر بلادنا خيارًا مجديًا وموثوقًا. ومع ٢٩ مطارًا مدنيًا وعشرة موانئ رئيسية على البحر الأحمر والخليج العربي، تتسع القاعدة التي يقوم عليها هذا الطموح، وتتكامل معها المدن الاقتصادية والموانئ الجافة، وخطوط النفط والغاز، وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات.
ترسم رؤية ٢٠٣٠ للسعودية دورًا محوريًا في سلاسل الإمداد والتجارة والنقل العالمية. وتكمن أهمية هذا الدور في أنه يفتح مصادر جديدة للدخل وفرصًا أوسع لأبنائنا، وينقلنا تدريجيًا من الاعتماد على النفط إلى الاتكاء عليه في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على النمو.
ومن الطبيعي أن يغيّر هذا الصعود حسابات المنافسة، وأن يزعج من اعتاد احتكار بعض الأدوار والمصالح. لكن المنطقة تتسع لمصالح مشتركة أكبر بكثير مما تتيحه محاولات التعطيل والاستنزاف. فالطريق الذي يصل إلينا يستطيع أن يمتد إلى جيراننا، والميناء الذي يستقبل تجارة العالم يفتح فرصًا لمن حوله، والاستقرار الذي نحميه يعود نفعه على الجميع.
اخترت السيارة لأكمل طريقي إلى الرياض، لكن رحلتي عبر القصيم أخذتني أبعد من وجهتي. أعادتني إلى قوافل العقيلات، وذكريات المدن العسكرية، ثم مضت بي إلى ما نرجوه لأبنائنا من مستقبل. وبين أمن يحرس البلاد وتنمية تصل أطرافها بالعالم، تتضح قيمة ما نبنيه وما يستحق أن نصونه.
أما الذين ينشغلون بمحاولة تعطيل هذا المستقبل، فأقول لهم: هداكم الله، أليس «التعاون» أبرك؟
@kbatarfi

أخبار ذات صلة