الرئيسية
›
كتاب
›
للحزن وقت.. وللأفراح أوقات!
كتاب
للحزن وقت.. وللأفراح أوقات!
الحبر الأصفر
أحمد عبدالرحمن العرفج
07 نوفمبر 2026 22:26
4 دقائق قراءة
قد يقعُ للإنسان ما يحزنُه، فيمنح حزنَه مفاتيح العمر، يغلقُ به نوافذ الفرح، ويطفئُ بهجة التفاصيل، ويصبغُ الأيام كلها بلون مصيبة واحدة. يمضي الحدثُ، ويبقى سلطانُه، حتَّى تصبحَ الضحكةُ تُهمةً، والرَّاحةُ تقصيرًا، والاستمتاعُ بالحياة خيانةً لمن رحلُوا. تلك هي «ديكتاتوريَّة الحزن»: أنْ يستأثر الألمُ بالحياة، فلا يتركُ لغيره مكانًا.
ولفهم هذه الحال، يمكن أنْ ننظرَ إلى أيامنا بوصفِها مزيجًا من الأفراح والأحزان، والأوقات المُحايدة. وهذا تقسيمٌ تأمليٌّ يعينُ على الفهم؛ فالمشاعرُ تتداخلُ، وما يراه إنسانٌ صغيرًا، قد يكونُ عند آخرَ عظيمًا.
أوَّلًا: الأفراح.. لا تؤجِّل سعادتك حتَّى يأتي الحدث الكبير.
الأفراحُ ثلاثُ درجاتٍ، وهي كما يلي:
الفرحُ الكبيرُ حدثٌ يحتلُّ مكانًا بارزًا في سيرة الإنسان، كالزَّواج، أو ولادة طفل، أو بلوغ غايةٍ طال انتظارها. وهذه مناسباتٌ محدودةٌ غالبًا؛ نستقبلُها بالشكر، ونحسنُ الاحتفاء بها، ومشاركة الآخرِين بهجتها، دون إسرافٍ. قالَ تعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلََا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. فمن جَمَال الفرح أنْ يتركَ ذكرى طيِّبةً، وألَّا يورث صاحبَه عبئًا طويلًا.
والفرحُ المتوسطُ خبرٌ سارٌّ، أو إنجازٌ يضيءُ مرحلةً من حياتنا، كنجاحٍ في عمل، أو لقاءٍ مُنتظر، أو إتمامِ أمرٍ مؤجَّل. حقُّه أنْ نلتفتَ إليه ونشكرَ عليه، بدل أنْ نصغِّرَه؛ لأنَّ غيرنا حقَّق أكثر. قالَ تعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. والمقارنةُ قد تسرقُ من أيدينا فرحةً كانت تكفينا.
أمَّا الفرحُ الصغيرُ، فكلمةُ محبَّةٍ، وفنجانٌ معَ صديقٍ، وصفحةٌ جميلةٌ، ونسمةٌ تدخل من نافذةٍ. فرصُه كثيرة، لكنَّ الاعتياد يحجبُه عن أعينِنا. قالَ تعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. فلا تجعل سعادتك رهينةَ مناسبةٍ نادرةٍ؛ إذ قد تمضي في انتظار الفرح الكبير، وتعبر بك أفراحٌ صغيرةٌ لا تنتبه إليها.
ثانيًا: الأحزانُ... نعطي الألم حقَّه، ونحفظ للحياة حقوقها.
الأحزانُ أيضًا ثلاث درجاتٍ، وهي على النحو التالي:
الحزنُ الكبيرُ ألمٌ عميقٌ يخلِّفه فَقْدُ عزيزٍ، أو مصابٌ شديدٌ. نواجهه بالصَّبر والمُساندة، ونسمح للدَّمع أنْ يأخذ مجراه، ثمَّ نعود إلى شؤونِنا على قدر استطاعتنا. وقد قالَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عندَ وفاةِ ابنِه إبراهيم: «إنَّ العينَ تدمعُ، والقلبَ يحزنُ، وَلَا نقولُ إلَّا مَا يُرضِي ربنا» رواه البخاري. فالصَّبرُ يتَّسعُ للدموعِ، والرِّضا لا يجعلُ القلبَ حجرًا.
ولا تنتهي مشاعرُ الفَقْدِ بأمرٍ يصدره الآخرُون، ولا يصحُّ جعل ثلاثة أيام حدًّا لانتهاء الحزن، فحدُّ الثلاث الوارد في الحديث يتعلَّق بإحدادِ المرأةِ على غيرِ زوجِها، أمَّا الزَّوج فله حكمه الخاص. وقد حكَى القرآنُ عن يعقوب -عليهِ السَّلامُ- بقولِ
اللهِ تعَالَى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) [يوسف: ٨٤]. ولنا في ذلك ما يمنعُ القسوة على المكلوم، أو مطالبته بأنْ يطوي قلبَه كما يطوي ثوبًا.
والحزنُ المتوسطُ ضيِّقُ يتركه تعثُّر مشروعٍ، أو خلافٌ مؤثِّر، أو فواتُ فرصةٍ. نتعامل معه بتمييز ما يمكن إصلاحه؛ ممَّا يحتاج إلى قبولٍ، ثمَّ نخطو خطوةً عمليَّةً. قالَ تعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. فالتأمُّل في الخطأ ينفعُ حين يقود إلى عملٍ، أمَّا الدَّوران حوله فيستنفد القوَّة التي نحتاج إليها لتجاوزه.
أمَّا الحزنُ الصغيرُ، فانزعاجٌ عابرٌ من تأخيرٍ أو عطلٍ أو كلمةٍ ثقيلةٍ. نعالجُ ما يستحق المعالجة، ونتغافلُ عمَّا يستحق التجاوز، فليس كلُّ موقفٍ جديرًا بأنْ نحمله معنا إلى المساء. وفي أذى النَّاس يقولُ تعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. ومن حُسن تدبير النَّفس أنْ نختار لما يستحق وقتنا مكانًا، وألَّا نسكن في كلِّ موقفٍ مررنا به.
ثالثًا: الأوقاتُ المحايدةُ.. للأيام الهادئة فضلُها.
ثمَّة ساعات لا تحملُ فرحًا ظاهرًا، ولا حزنًا واضحًا؛ نمضي فيها أعمالنا، ونرتاحُ، ونعيش تفاصيلنا المُعتادة. ويمكن النَّظر إليها بحسب مدَّتها، وهي كالتالي:
الوقتُ المحايدُ القصيرُ فاصلٌ بين مهمَّتين، أو انتظارٌ عابرٌ. نمنحُه شيئًا من الهدوء، ويمكن أنْ نعمره بالذِّكر، دون أنْ نطالب كلَّ دقيقة بإنجازٍ. قالَ تعَالَى: ﴿اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١].
والمحايدُ المتوسطُ ساعاتٌ عاديَّةٌ خلال اليوم، نحسنُ توزيعها بين العمل والرَّاحة والعلاقات. وفي تعاقب النَّوم، والمعاش تذكير بإيقاع الحياة: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ٩–١١]. وللراحة نصيبُها، كما للعمل نصيبُه.
أمَّا المحايدُ الطّويلُ، ففترةٌ مستقرَّةٌ قليلةُ الأحداث البارزة. نستثمرُها في بناء عادة، وتنمية مهارة، ورعاية علاقة. قالَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «نِعْمتَان مَغبونٌ فِيهمَا كثيرٌ مِن النَّاسِ: الصحَّةُ والفَراغُ» رواه البخاري. وقد لا نعرفُ قيمة اليوم العادي إلَّا حين نتمنَّى، وسط مصيبةٍ، أنْ يعود.
حسنًا، ماذا بَقِيَ؟
بقيَ القولُ: للحزنِ حقُّه، وللفرحِ حقُّه، ولليومِ الهادئِ حقُّه. نستطيعُ أنْ نحزنَ على غائبٍ، ونفرحً بحاضرٍ، ونؤدِّي واجبًا في اليومِ نفسه.. فالابتسامُ لا يمحُو الوفاءَ، والاستمتاعُ بنعمةٍ حاضرةٍ لا ينكرُ ألمًا قديمًا. ومقاومةُ «ديكتاتوريَّة الحزنِ» تبدأُ حين نفتحُ لبقيَّة الحياةِ نافذةً، ولو بَقِيَ فِي القلبِ وجعٌ.
أخبار ذات صلة
كتاب
عناوين مفتوحة!!
2026 11 08
كتاب
سوق السفر العالمي
2026 11 07
كتاب
سفارة المكسيك حذَّرتنا من مخاطر في بلادها
2026 11 07
كتاب
تقدير الحوادث.. أزمات وتعطيل مصالح!!
2026 11 07