التقويم المستمر يسقط في فخ ضعف المهارات والحفظ والتلقين!!

التقويم المستمر يسقط في فخ ضعف المهارات والحفظ والتلقين!!

رغم تمسك وزارة التربية والتعليم بتطبيق التقويم المستمر على الفصول الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية، إلا أن كثيرًا من المعلمين يرون أنه زاد من إهمال الطلاب وأدى إلى تراجع مستواهم العلمي. وفيما يحدّد الكثير من المعلمين إشكاليات النظام في تركيزه على الحد الأدنى من المهارات والحفظ والتلقين وعدم اكتراث الكثير من المعلمين بآليات التطبيق والزحام الكبير في الفصول، يرى البعض أهمية إخضاع النظام للتقييم بعد سنوات من تطبيقه خاصة في ظل ضعف مستويات الطلاب في مهارات القراءة والكتابة والحساب. يقول الدكتور سعيد جار الله الغامدي بتعليم الباحة أن نظام التقويم المستمر في المرحلة الابتدائية جاء استجابة لمشاريع الإصلاح المتتالية في قطاع التعليم، ولما حققه من نجاحات كبيرة في معظم النظم التربوية، ووصفه بأنه يعد نقلة نوعية في نظام التعليم رغم وجود مشكلتين رئيسيتين أمامه أولهما: التركيز على مهارات الحد الأدنى وإغفال المهارات والعمليات المعرفية العليا، وثانيهما: الممارسات التقليدية القائمة على النظرية السلوكية التي تهتم بالحفظ والتلقين. ورأى أنّ هذه الأمرين أديا إلى تدني مستوى التلاميذ بالمرحلة الابتدائية في القراءة والحساب وعلى إثر ذلك تمت المطالبة بإلغائه من جانب. وقال: إنه لا يؤيد الدعوات المطالبة بإلغاء نظام التقويم المستمر، وإنما يجب تفعيله من خلال بنائه على أسس علمية تركز على التقويم القائم على الأداء والنواتج والتوقعات العليا من التلاميذ. وتدريب المعلمين على ممارسات التقويم البديل التي تؤكد على أن التلميذ كائن حي نشط، ومفكر، ومبدع، ويبني معارفه من مهام متنوعة . وتعميق مبدأ المحاسبية والمساءلة. ووفقا للخبير التربوي محمد فايع فإنه يجب على المعلم في التقويم المستمر امتلاك مهارة مساعدة تلاميذه على اكتساب العلوم والمعارف والمهارات، ثم تليها قدرته على القيام بخطوة تقويمهم مع اختيار الأداة المناسبة من أدوات التقويم المستمر لتقويم كل تلميذ بما يناسب المهارة المراد تقويمها «الاختبارات بنوعيها، الملاحظة، التدريبات، الواجبات، التقارير، المشاريع، ملف الإنجاز للطالب. وقد يكون التقويم مباشرًا بعد انتهاء الدرس، وقد يكون بعد فترة زمنية منه، فيعطى التلاميذ فرصة لممارسة المهارة حتى إتقانها. عملية محبطة ويقول عبدالرحمن حمياني (معلم تربوي) من تعليم المخواة: التقويم المستمر -وإن شئت قل المستقر- لا يحقق هدفًا تربويًا منشودًا، مضيفًا أنه فكرة طرأت في عقل مبتكرها ثم قذف بها إلى الميدان دون أن يعرف فاعليتها، والكلام حول هذا الموضوع كثير ومتشعب، والأطراف المرتبطة متعددة وهي: الكتاب، الطالب، المعلم، ولي أمر الطالب، الوسائل التعليمية، فمثلاً المعلم يعد الجدار القصير في العملية التعليمية برمتها، وحيال هذا الموضوع لا يملك إلا التنفيذ بروح رياضية تعيسة. وتساءل: الحصة 45 دقيقة، وإذا كان في الفصل الدراسي على أقل تقدير 25 طالبًا فكيف يوزع الحصة بين تقويم مهارات المقرر والتدريس وتصحيح الواجبات المنزلية. وأضاف: المعلم مطالب بتنفيذ مقرر مرتبط باليوم والأسبوع والشهر ثم الفصل الدراسي كاملاً، والتقويم المستمر ليس من ضمن خطة المقررات المطورة الجديدة. وأوضح: مادة القواعد للصف السادس الابتدائية لها 50 مهارة في الفصل الدراسي الأول على 4 فترات، الأولى: 11 مهارة والثانية 10 والثالثة 15 والرابعة 14، وهو مطالب بأن يتأكد من أن الطالب أتقن المهارة بإحدى وسائل التقويم إما الواجبات المنزلية أو الاختبارات التحريرية أو الملاحظة أو المشاركة في الفصل، فإذا اختار الاختبارات التحريرية فلا بدَّ أن يعد الأسئلة بالمعايير المعروفة، ثم يصححها ثم يصدر الحكم، ولكن دعونا نختار الإجابة عن الأسئلة أو المناقشة، ولو أعطى المعلم كل طالب دقيقتين فقط لعرض السؤال شفهيًا والتأكد من الإجابة، يلزمه 50 دقيقة لتقويم 25 طالبًا، إذن الحصة لا تكفي لتقويم مهارة واحدة، ولو أراد الاقتصار على عشرة طلاب للتأكد من إجادتهم للمهارة السابقة فيحتاج إلى 20 دقيقة وبقية الحصة 25 دقيقة للدرس الجديد، فهل يكفي المتبقي للدرس؟ ومتى يتأكد من إتقان المهارات السابقة للباقين. وخلص إلى أنّ التقويم المستمر عملية محبطة وركيكة، ولا تصلح لأكثر من 15 طالبًا على الأكثر حتى يتمكن المعلم من التدريس وتقويم المهارات. جهة محايدة للتقييم من جهته قال الدكتور محمد راشد الشرقي أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية الفيصل: وزارة التربية طبقت قبل أكثر من خمس سنوات نظام التقويم المستمر على طلاب المرحلة الابتدائية بهدف الوصول إلى الطريقة المناسبة والمثلى لرفع المستوى والوصول إلى تعليم متميز يرضي جميع الشرائح الاجتماعية. ومنذ ذلك الوقت لم تجر تقييمًا لها، رغم تأكيد بعض مسؤولي الوزارة على إسناد التقييم إلى جهات محايدة بغرض تقويم هذه المرحلة والاستفادة من نتائجها. ورأى أن المرحلة الابتدائية تركز على تعلم ثلاث مهارات أساسية هي: القراءة، والكتابة، وتعلم الرياضيات. ومتى أتقن الطالب هذه المهارات فإنها كفيلة بدعم مسيرته التعليمية في مراحل لاحقة من التعليم. وأضاف: عندما خرجت ألمانيا مهزومة في الحرب العالمية الثانية، قام الشعب الألماني بجميع فئاته بعملية البناء والإصلاح ومن ضمنها التعليم بحيث أصبحت دولة مرهوبة الجانب في جميع المجالات، وهذا لم يأت إلا بالاهتمام بالمرحلة الابتدائية حيث سنت قوانين صارمة وهيأت أفضل المعلمين لجميع مراحل التعليم وخاصة المرحلة الابتدائية، وأصبح الألمان يتغنون فخرًا بأن التقدم الذي أحرزته بلادهم في الوقت الحاضر يعزى إلى معلم المرحلة الابتدائية. وأشار إلى أن التقويم المستمر في المرحلة الابتدائية في الوقت الحاضر أسلوب بديل للاختبارات الشفهية بحيث يقوم المعلم بتسجيل الملاحظات على فترات زمنية متفاوتة خلال الفصل الدراسي بالاستعانة باستمارة تتضمن مهارات معينة أعدت لهذا الغرض. ومن الطبيعي أن تضم مدارس المرحلة الابتدائية مجتمعًا غير متجانس من حيث الدرجة العلمية والعمر والكفاءة فهل يسيرون على نفس هذه الوتيرة في تطبيق هذا النظام؟ لا أعتقد ذلك ولهذا أصبحت مخرجات طلاب الصفوف الثلاث الأولى من هذه المرحلة ضعيفة ولا يستطيع بعضهم مواصلة الدراسة بسهولة بسبب افتقارهم إلى مهارتي القراءة والكتابة. وهذه تجربة عشتها عندما كنت مشرفاً على طلاب كلية المعلمين بالرياض الذين يتدربون في مدارس المرحلة الابتدائية. وأشار إلى أنه بالإضافة إلى الأعباء الملقاة على المعلم فإن تطبيق هذه المهارات يحتاج إلى وقت وخصوصًا عندما تكون الفصول مكتظة بالطلاب وبالتالي يكون هناك عدم موضوعية وعدل بين الطلاب مما يؤدى إلى إحباط الطلاب المتفوقين والشعور بأنهم مثل زملائهم الأدنى تحصيلاً. كما أن المعلمين الجدد الذين انخرطوا في مهنة التعليم لا يجيدون التعامل مع هذه المهارات لضعف الخبرة وعدم تدريبهم على أهداف التقويم المستمر. ولتحسين هذا النوع من التقويم لابد من إعداد معلم جيد قادر على إتقان العملية التقويم من خلال استحداث مقرر يُعنى بالتقويم المستمر في الكليات التربوية إذا استمرت وزارة التربية على إصرارها بتطبيق هذا النظام. ويقول عبدالله سعيد فديم رئيس قسم التعلم الأساسي بتعليم الباحة: إن التقويم المستمر يواجه العديد من المعوقات وذلك بحسب ما رصدته الدراسات السابقة، ومن تلك السلبيات: عدم المعرفة الكافية لدى العديد من المعلمين بأهداف التقويم المستمر، وجود نقص أو قصور في المعلومات والمهارات اللازمة لتطبيق التقويم المستمر وفق اللائحة لدى بعض المعلمين، عدم وضوح بعض أهداف التقويم المستمر لدى الكثير من المعلمين وعدم امتلاك البعض مهارات التطبيق وعدم وضوح آلية التطبيق والفائدة المرجوة وعدم وضوح مصطلحات لائحة التقويم لدى بعض المعلمين، كما تشمل قلة تدريب المعلمين على وظائف التقويم المستمر واستخداماته المناسبة وعدم وضوح الصورة الكافية لدى المعلمين عن إجراءات التقويم المستمر وأساليبه وأدواته وكيفية الاستفادة من نتائجه وعدم قدرة بعض المعلمين على تحديد مستويات إتقان التلاميذ للمهارات. فضلا عن عدم قناعة بعض المعلمين بأسلوب التقويم المستمر مما يقلل من تحفيزهم للعمل فيه بجدية وهمة عالية وضعف المستوى الأكاديمي للمعلم وتمسك بعض المعلمين وتأثرهم القوي بالأسلوب التقليدي للتقويم، لأنَّ المعلمين في المرحلة الابتدائية ذوو الخدمة الطويلة في التدريس يرفضون التغيير في الغالب.