محسن محمد.. مطوّر «الجمهورية» المصرية

محسن محمد.. مطوّر «الجمهورية» المصرية

في صيف سنة 1984 كانت التكهنات والتوقعات تخيم على الأوساط الصحفية فى القاهرة، حول التعديلات أو التعيينات الجديدة التى ستشمل القيادات الصحفية فى المؤسسات الصحفية ، وقبل 48 ساعة من صدور حركة التعيينات، ذهب الكاتب محسن محمد، رئيس مجلس إدارة دار التحرير، ورئيس تحرير جريدة الجمهورية إلى مكتبه وبعد دقائق بدأت الأصوات تصل إليه من صالة التحرير، حيث كان هناك عدد من العاملين فى المؤسسة يصيحون فى شكل مظاهرة صغيرة ويهتفون باسم رئيس مجلس الإدارة الجديد الذى رشحته الشائعات أو التكهنات لتولى رئاسة المؤسسة، كانوا يصيحون «يعيش الرجل المناسب فى المكان المناسب». كان ذلك صباح الخميس، وفى صباح السبت، صدرت حركة التعيينات، وبقى محسن محمد رئيسًا لمجلس الإدارة فقط، وعُين محفوظ الأنصاري رئيسًا للتحرير. تقول سيرة محسن محمد إنه من مواليد 13 يناير سنة 1928 في مدينة الإسكندرية، وحصل على الابتدائية من مدرسة عباس الثاني، والثانوية العامة من مدرسة العباسية الثانوية، وليسانس الآداب وماجستير الآداب من جامعة الإسكندرية، وعرف الطريق إلى صاحبة الجلالة من خلال مجلة «الأسبوع» التي كان يصدرها جلال الدين الحمامصي سنة 1946، وكانت تنشر له فقرات صغيرة دون توقيع، وفي 15 نوفمبر 1947 شكلت جريدة الزمان اليومية المسائية والتى كانت تصدر صحيفة «جورنال ديجيبت» مكتبها في الإسكندرية برئاسة الصحفي الكبير محمد رشاد السيد، الذى اختار 3 من ألمع الصحفيين المصريين فيما بعد، هم: محسن محمد، وإسماعيل الحبروك، وعبدالمنعم السويفي، وأعطى رئيس المكتب الفرصة لمحسن محمد، حيث أشرف على صفحة الإسكندرية في الجريدة التى كانت تنشر في الطبعة الأولى، ثم تعدل في الطبعة الثانية لتصبح «الدلتا والصعيد»، واستمر 5 سنوات كاملة لمع خلالها اسمه في سماء الصحافة، وفي تلك الفترة كان يكتب فى «آخر ساعة» و«أخبار اليوم» بنظام القطعة. وعندما صدرت صحيفة «الأخبار» اليومية اختاره كامل الشناوي للعمل فيها، وكان الشناوي يهتم بالكفاءة الصحفية الجديدة ويعطيها كل الفرص، ونقل محسن إلى الأخبار نهائياً حتى يوم 9 أبريل سنة 1956، حين اختاره جلال الحمامصى للعمل فى وكالة أنباء الشرق الأوسط للعمل مندوبا متجولا فى الدول العربية، فترك العمل فى «الأخبار»، لأن الحمامصي في رأيه يعطي الفرص بلا حدود، غير أن الحمامصي ترك الوكالة، فأضطر محسن إلى الانتقال منها أثناء عمله كمراسل في المغرب، لخلاف حدث بينه وبين رئيس الوكالة الجديد كمال الدين الحناوي، وعمل سكرتيراً لجريدة الجمهورية، وكانت المفاجأة أن محسن نُقل من العمل فى الصحافة كلها في 5 سبتمبر 1964، للعمل في التليفزيون، لكنه رفض العمل في التليفزيون لأن زوجته تعمل هناك، فنقلوه إلى شركة الإنتاج العالمي وظل بها 5 شهور فقط، ولم يستطع البقاء بعيداً عن الصحافة. واضطر إلى العودة إلى «أخبار اليوم»، وهذه المرة بدأ من جديد، حيث عمل مندوبًا، وكان رأي مصطفى وعلي أمين فيه أنه صحفي ممتاز، وطلبا منه الحضور للعمل فى المؤسسة، وحدثت وساطات شارك فيها الدكتور حسين فوزي، والكاتب الصحفي علي الشلقامي، والصحفي لطفي الخولي، إلى جانب مصطفى وعلي أمين، لإقناع خالد محيي الدين، رئيس مجلس إدارة المؤسسة في ذلك الوقت، بتعيينه، وفي خلال فترة قصيرة أصبح محسن يكتب 5 مقالات فى وقت واحد، منها 3 أو 4 دون توقيع، حيث كان يكتب «كلمة المحرر»، و«أنوار كاشفة»، و«الموقف السياسى» دون توقيع لغياب مصطفى أمين، بينما كان يوقع عموداً واحداً صغيراً، وجمع بين العمل في «الأخبار»، و«أخبار اليوم»، وأصبح نائبا لرئيس تحرير «الأخبار» ثم مديرا لتحريرها. يقول محسن محمد عن ذلك الموقف: «لم أكن أتصور أنني سأترك العمل في الأخبار، وكانت المفاجأة اختياري رئيسًا لتحرير الجمهورية في مارس 1975، وفي مارس 1977 أصبحت رئيسًا لمجلس الإدارة ورئيسًا للتحرير، غير أنهم رفدوني من رئاسة التحرير في يونيو 1984، وتفرّغت للعمل رئيسًا لمجلس الإدارة، وفي ذلك اليوم عندما تركت مسؤولية رئيس التحرير بمتاعبها في صحيفة الجمهورية بالذات، كانت زوجتى عائدة من الخارج وقرأت الخبر وحملت لي تهانيها وسعادتها، بل صلت ركعتين شكراً، لأننى سأجد بعض الوقت لرعاية أسرتي وأولادي». وكان محسن محمد فيما بعد بين عامى 1949 و1977 من نجوم الإذاعة المصرية، فقد شارك في عدد كبير من البرامج، وكان يقدم حديثًا إذاعيًا أسبوعيًا، غير أنه توقف بسبب أعباء العمل في الجمهورية بكل مشاكلها التي تنوء بها الجبال، على حد تعبيره. وعاش محسن تجربة مثيرة في الدار التي تعاقب عليها أكبر عدد من القيادات وكبار الصحفيين، غير أنه يفخر بأنه استطاع باقتدار شديد أن يرفع توزيعها من 38 ألف نسخة إلى 880 ألف نسخة، وهو رقم قياسي في توزيع الجمهورية لم تشهده في تاريخها، بل وفي تاريخ الصحف المصرية عموماً، وجعلها لا تمد يديها للدولة، فلم يحصل على إعانات منذ توليه مسؤولية إدارتها، بعد أن كانت تشتهر بأنها الصحيفة المديونة للدولة دائماً، واستطاع أن يدرّب جيلا كاملاً من الشباب يصل قوامه إلى نحو 200 صحفي يمثلون الدم الجديد فى الأبواب التي أدخلها لأول مرة فى الصحافة المصرية، كما أنهم قاموا بمسح شامل لمشاكل المجتمع المصري في الريف والمدينة على السواء، ودخل كل القرى والحارات، وسجل متاعب كل المهن حتى مهنة الزبال، وكان أول من أدخل الصفحات الاقتصادية في مصر ، وأيضاً الخدمية، والاجتماعية، والمتخصّصة، وكان المواطن المصري العادى يجد نفسه صباح كل يوم في الصحيفة التي حقق فيها كل أحلامه. وإذا كان مصطفى أمين رأى أن تأسيس صحيفة جديدة أفضل وأسهل من إحياء جريدة ميتة، فإن الكاتب الراحل محسن محمد كسر هذه القاعدة، لأنه كان يهتم بقضايا المواطن البسيط، وكان يؤمن بوجهة النظر التي تقول إنك كلما نشرت موضوعات تهم المواطن وتخدمه، فإن ذلك سبب مهم في زيادة التوزيع. وترك محسن محمد الذي رحل عن دنيانا السبت الماضي، العديد من المؤلفات، من أبرزها: «دنيا الصحافة»، و«الإنسان حيوان تليفزيوني»، و«تاريخ للبيع»، و«سرقة واحة مصرية»، و«من قتل الشهيد حسن البنا»، و«أصول الحكم»، و«التاريخ السري لمصر».