هآرتس: “قناصة الأسد” في كل زاوية بدرعا
في ساعات النهار يسود الصمت في الحي القديم من درعا. الشوارع مهجورة. الدكاكين مغلقة. في ساحات المدينة تنتشر إطارات السيارات المشتعلة، الحجارة، حطام الزجاج وطوب الاسمنت – بقايا معارك المساء. جنود مسلحون يملأون شبكة مكتظة من الحواجز على الطرقات. وهم يتمترسون خلف أكياس الرمال قرب الدبابات ويوجهون سلاحهم نحو المواطنين القلائل الذين يتجرأون على التجول في الشوارع. في المسجد العمري الذي كان في حينه بؤرة الانتفاضة واستخدم بعد ذلك كمستشفى ميداني، يتمترس الان جيش الرئيس الاسد. في المسجد وفي كل أرجاء المدينة. «انصرفوا بسرعة، يوجد قناصة في كل زاوية»، يهتف نحونا رجل يعمل وحده في المقبرة في المدينة. فهو يحفر عميقا في الارض، وذلك لان جنازتين أخريين ستصلان اليوم. وفي محيطه صفوف طويلة من القبور حديثة العهد مغطاة بالتراب الاحمر، كالجروح المفتوحة في اللحم البشري. فالعشب لم يتمكن بعد من أن ينمو على القبور. الموت، الاعتقال، الدمار: يبدو ان درعا، مدينة المائة ألف نسمة التي تقع على بعد كيلومترات معدودة من الحدود الاردنية، تخرب في الحرب الاهلية. هنا اندلعت الانتفاضة ضد الرئيس الاسد في منتصف آذار 2011. المظاهرات تحولت الى معارك في الشوارع. والنهاية لا تبدو في الافق، مثلما في ساحات اخرى من الكفاح المدني السوري في حمص، إدلب وحماة. تقول مراسلة الصحيفة: مرتان فقط حظيت درعا بزيارة من بعثة مراقبي الامم المتحدة، وعندما وصلوا كان يرافقهم 600 شرطي. هذه مزحة، لم يتغير شيء هنا. العالم لا يهمه، العكس هو الصحيح. هذه الخطة تمنح الاسد مهلة أخرى وفوق كل شيء مكان آخر للمناورة يسمح له بقتلنا جميعا. تقول عائشة الحريري، ابنة الاربعين. وهي تجلس في غرفة الانتظار في المستشفى البلدي، وابنتها الصغيرة تنام في حضنها. «عندها حرارة عالية: أحاول أن اجد طبيبا يساعدني، ولكني أجلس هنا عبثًا. الناس مثلي، ممن يتجرأون على التظاهر ضد النظام، لن ينالوا هنا العناية. ولا حتى الاطفال. أنا قلقة جدا عليهم لا مدارس، لا أدوية، لا طعام كافٍ. نحن نربي أطفالنا على اليأس والخوف». المستشفى تحت الحصار. الجنود، الشرطة والاسلحة تملأ المركز الطبي، في ظل الخرق الفظ لاتفاق وقف النار. ولكن من يهمه؟ صمت أليم يسود فجأة في الوقت الذي يصل فيه رئيس قوات الامن المحلية، محمد أسعد، الى المكان. عائشة، والى جانبها نساء أخريات ينتظرن بيأس العناية الطبية، يوجهن نحوه نظرات مريرة، ويهمسن: «هو مجرم، مثل الجميع، مثل بشار، كلهم مجرمون». هذه هي المرة الاولى التي توفرت فيها لهؤلاء الاشخاص الامكانية للحديث بحرية مع صحفي أجنبي، وقد قفزوا فورا على الفرصة، رغم الخطر الشديد الذي تنطوي عليه. هذا الحديث كفيل بان يجلب لهم حكما بالموت أو على الاقل بالاعتقال. هارتس