العادة محكمة.. ما لم تخالف نصًا شرعيًا ثابتًا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد،،، لكل قوم عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم التي توارثوها جيلا بعد جيل، وقد ينتشر العرف فيغطي رقعة جغرافية كبيرة، وقد ينحسر فيغطي رقعة صغيرة، وفي كلتا الحالتين فإن الأعراف التي تعارف عليها الناس يعد فيصلا وفرقانا بينهم بشرط ألا تخالف النصوص الشرعية الثابتة. ومن الأمثلة التطبيقية لهذه القاعدة مهر الزوجة إذا لم يتم تحديده في عقد النكاح، ثم توفي الزوج قبل الاتفاق عليه، فقد سئل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقا، ولم يدخل بها حتى مات، فمكث عبدالله شهرا لا يفتيهم، وسأل الناس، فلم يجد جوابا، ثم اجتهد فقال: «إن لها صداقا مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان»، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت، فرفع عبدالله يديه وكبر، وفرح بها فرحا شديدا حين وافق قضاؤه قضاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رئي فرح فرحة أعظم منها إلا بإسلامه، رواه أحمد والنسائي وأبو داود والترمذي. ويدخل العرف في مسائل كثيرة تخرج عن الحصر، فمثلا يؤخذ بالعرف في عدد الحركات المبطلة في الصلاة، وفي الزمن الفاصل بين الصلاتين عند الجمع بينهما، وفي الزمن الفاصل بين الإيجاب والقبول في العقود، وفي قبض الأثمان والسلع، وفي حرز المال، وفي إحياء الأرض الموات، وفي المعاشرة بالمعروف، وفي خوارم المروءة. ومن الأمثلة التطبيقية التي ورد الدليل الخاص عليها تحديد نفقة الزوجة، فقد جاءت هند بنت عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت من ماله وهو لا يعلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» رواه البخاري وأحمد. ومن المهم التنبيه إلى أن العرف إذا خالف النصوص الشرعية فإنه لا يقبل؛ لأن الشرع يقضي على العرف، ولا يصح أن يقضي العرف على الشرع، فإذا تعارف الناس على بيع الأموال الربوية بالأجل، أو على تكوين الصداقات بين الجنسين، أو على تبرج المرأة ونزع حجابها، أو على الزواج المثلي، فإن كل تلك الأعراف لا تقبل، بل تتحطم على صخرة النصوص الشرعية، ولا يمكن أن تثبت بالتقادم.